{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ } ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا:"وَذلِكَ أنَّ أبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ ؛ وَعِكْرِمَةَ بْنَ أبي جَهْلٍ ؛ وَأبَا الأَعْوَر السُّلَمِيِّ قَدِمُواْ فَنَزَلُواْ عَلَى عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأسِ الْمُنَافِقِيْنَ ؛ وَجَدِّ ابْنِ قَيْسٍ ؛ وَمُعْتَب ابْنِ قَسْرٍ الْمُنَافِقَيْنِ."
وَكَانَ يَوْمَئِذٍ مَعَ الْمُشْرِكِيْنَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبي سَرْحٍ ، فَطَلَبُواْ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ كَانُواْ طَلَبُواْ مِنْهُ الأَمَانَ عَلَى أنْ يُكَلِّمُوهُ ، فَقَالُواْ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنَا اللاَّتَ والْعُزَّى وَمَنَاتَ ، وَقُلْ: إنَّ لَهَا شَفَاعَةً فِي الآخِرَةِ وَمَنْفَعَةً لِمَنْ عَبَدَهَا ، وَنَدَعُكَ أنْتَ وَرَبُّكَ! فَشُقَّ ذلِكَ عَلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب رضي الله عنه: ائْذنْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ فِي قًتْلِهِمْ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"إنِّي قَدْ أعْطَيْتُهُمُ الأَمَانَ". فَأَمَرَ النَّبيُّ عُمَرَ أنْ يُخْرِجَهُمْ مِنَ الْمَدِيْنَةِ ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ رضي الله عنه: أُخْرُجُواْ فِي لَعْنَةِ اللهِ وَغَضَبهِ"، وَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ."
ومعناهَا: يا أيُّها النبيُّ اتَّقِ اللهَ في نقضِ العهد الذي بينَكَ وبين أهلِ مكَّة لا تَنْقِضْهُ قبلَ أجَلِهِ { وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ } فيما دعَوكَ إليه ، ولا تَمِلْ إليهم ، ولا تَرْفِقْ بهم ظَنًّا منكَ أن ذلك أقربُ إلى استِمَالَتِهم إلى الإيْمانِ ، فإن ذلك يؤدِّي إلى أن يُظَنَّ بك مقارنة القومِ على كُفرِهم ، فمعنى قولهِ { وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ } يعني أبَا سُفيان وأبا الأعور وعِكرمةَ ، والمنافقين عبداللهِ بنِ أُبَي وجَدِّ بنِ قَيْسٍ وغيرِهما.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا } ؛ أي عَلِيمًا بأحوَالِهم ، حَكِيمًا فيما أوجبه عليك في أمرِهم وفيما يخلقهُ.