فهرس الكتاب

الصفحة 3463 من 4495

وقولهُ تعالى: { فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرِّقَابِ } ؛ أي إذا لَقِيتمُوهم في القتالِ فاضْرِبُوا رقابَهم ؛ أي اقتلُوهم ، والمعنى: فاضرِبُوا الرقابَ ضَربًا ، وهذا مصدرٌ أُقِيمَ مقامَ الأمرِ ، كما في قولهِ { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } [البقرة: 92] ، وَقِيْلَ: انتصبَ قولهُ { فَضَرْبَ } على الإغراءِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { حَتَّى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ } ؛ أي حتى إذا أكثَرتُم القتلَ فيه وغلَبتُموهم وبالَغْتُم في قتلِهم فاستوثَقُوهم بالأسرِ ، ولا يكون الأسرُ إلاَّ بعد المبالَغةِ في القتلِ ، كما قال اللهُ { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ } [الأنفال: 67] ، والمعنَى حتى إذا قَهرتُموهم وغَلبتُموهم وصَاروا أسَارَى في أيدِيكم فشُدُّوا وثاقَهم كَيلاَ يَهربُوا ، يقال: أوْثَقَهُ أيْ إيْثَاقًا إذا شدَّ أسْرَهُ لِئَلاَّ يُفْلِتَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } ؛ معناهُ: فإما أن تَمُنُّوا عليهم بعد أن تَأسِرُوهم وتطلقوهم بغيرِ فداءٍ ، وإما تُطلِقُوهم يُفْدَوْنَ بأَسرَاكُم عندَهم أو بمالٍ ، والمعنى فإمَّا بعدَ أن تأسِرُوهم إما مَنَنْتُمْ عليهم مَنًّا فأطلقتُموهم بغيرِ عِوَضٍ ، وإما أنْ تُفَدُوا فِدَاءً.

وعن ابنِ عبَّاس قال: (هَذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ { فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة: 5] ) . وَإلَيْهِ ذهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وقالَ: (لاَ يَجُوزُ الْمَنُّ عَلَى الأَسِيرِ وَلاَ الْفِدَاءُ بالْمَالِ وَلاَ بغَيْرِ الْمَالِ مِنَ الأُسَارَى ، وَلاَ يُبَاعُ السَّبْيُ مِنْ أهْلِ الْحَرْب) .

ولم يختلف أهلُ التفسيرِ في أنَّ التوبةَ نزلت بعدَ سُورَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، ولا خلافَ بين العلماءِ في جواز قتل الأسيرِ وجواز قِسمَةِ الأُسَارَى بين المسلمِين إذا لم يكن الأُسارَى من العرب ، وإنما اختَلَفُوا في جواز الْمَنِّ عليهم في مَفَادَاتِهم بالمالِ أو النفس.

قال الشافعيُّ: (يَجُوزُ المَنُّ عَلَيْهِمْ لأَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مَنَّ عَلَى أبي عَزَّةَ الشَّاعِرِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى أنْ لاَ يُقَاتِلَ ، فَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ ثُمَّ عَادَ بَعْدَ ذلِكَ لِلْقِتَالِ فَأُسِرَ ، فَأَمَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بقَتْلِهِ) . فأجابَ أصحابُنا عن هذا إنَّما مَنَّ عليه كما مَنَّ العربُ ، وكان لا يجوزُ استرقاقهُ ، وقال أبو يوسف ومحمَّد: (تَجُوزُ مُفَادَاةُ الأَسِيرِ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } أي حتى يضعَ أهلُ الحرب أسلِحتَهم ، والأوْزَارُ في اللغة: الأَثْقَالُ ، وَقِيْلَ: المرادُ بالأوزار هنا الآثَامُ ، وقال ابنُ عبَّاس: (مَعْنَى قَوْلِهِ { حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا } أيْ حَتَّى لاَ يَبْقَى أحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) . وقال مجاهدُ: (حَتَّى لاَ يَكُونَ دِينٌ إلاَّ الإسْلاَمُ) .

وَقِيْلَ: حتى تضعَ حربُكم وقتالُكم أوزارَ المشركين وقبائحَ أعمالِهم بأنْ يُسلِمُوا فلا يبقَى دينٌ غيرُ الإسلامِ ، ولا يُعبَدُ وثنٌ. وقال الفرَّاءُ: (مَعْنَاهُ: حَتَّى لاَ يَبْقَى إلاَّ مُسْلِمٌ أوْ مُسَالِمٌ) .

وَقِيْلَ: معناهُ: حتى تضعَ أهلُ الحرب آلتَها وعُدَّتَها ، وآلَتُهم أسلِحَتُهم فيُمسِكُوا عن الحرب ، وحربُ القومِ الْمُحاربُونَ كالرَّكْب والشُّرب ، ويقال أيضًا للكِرَاعِ: أوْزَارٌ ، قال الشاعرُ وهو الأعشَى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت