فهرس الكتاب

الصفحة 4299 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ } ؛ هذا جوابُ القسَمِ ، تقديرهُ: لقد قُتِلَ أصحابُ الأخدودِ ، والمعنى: قتلَتهُم النارُ. والأُخْدُودُ: شَقُّ يُشَقُّ في الأرضِ ، جمعُها أخَادِيدُ. ويجوز أنْ يكون معنى (قُتِلَ) : لُعِنَ على الدُّعاء عليهم.

وقصَّة ذلك ما رُوي: أنَّ رَجُلًا مِنَ النَّصَارَى كَانَ أجَّرَ نَفْسَهُ مِنْ يَهُودِيٍّ لِيَعْمَلَ لَهُ عَمَلًا ، فَرَأتِ ابْنَةُ الْمُسْتَأْجِرِ النُّورَ فِي الْبَيْتِ لِقِرَاءَةِ الأَجِيرِ الإنْجِيلَ ، فَذكَرَتْ ذلِكَ لأَبيهَا فَرَمَقَهُ حَتَّى رَآهُ ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذلِكَ فَلَمْ يُجِبْهُ ، فَلَمْ يَزَلْ بهِ حَتَّى أخْبَرَهُ أنَّهُ عَلَى دِينِ عِيسَى ، وَكَانَ ذلِكَ قَبْلَ مَبْعَثِ نَبيِّنَا صلى الله عليه وسلم ، فَتَابَعَهُ هُوَ وَسَبْعَةٌ وَثَمَانُونَ إنْسَانًا مِنْ بَيْنِ رَجُلٍ وَامْرَأةٍ.

فَأَخْبَرَ مَلِكَ الْيَهُودِ وَاسْمُهُ يُوسُفُ بْنُ ذِي نُؤَاسٍ الْحِمْيَرِيِّ ، فَخَدَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَأوْقَدَ فِيْهِ النَّارَ ، وَطَرَحَ فِيهِ النِّفْطَ وَالْقَصَبَ والْقَطِرَانَ ، وَعَرَضَهُمْ عَلَى الْيَهُودِيَّةِ ، فَمَنْ أبَى مِنْهُمْ أنْ يَتَهَوَّدَ دَفَعَهُ فِي النَّار ، وَمَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِ عِيسَى تَرَكَهُ. وَكَانَ فِي آخِرِهُمْ امْرَأةٌ مَعَهَا صَبيٌّ رَضِيعٌ ، فَلَمَّا رَأتِ النَّارَ صَدَّتْ ، فَقَالَ لَهَا الصَّبيُّ: يَا أُمَّاهُ قِفِي فَمَا هِيَ إلاَّ غُمَيْضَةٌ ، فَصَبَرَتْ فَأُلْقِيَتْ فِي النَّار ، وَارْتَفَعَتِ النَّارُ أرْبَعِينَ ذِرَاعًا ، فَأَحْرَقَتِ الْيَهُودَ الَّذِينَ كَانوُا حَوْلَ الأُخْدُودِ.

قال ابنُ عبَّاس: (كَانُوا يَطْرَحُونَهُمْ فِي النَّار ، فَمَنْ أبَى مِنْهُمْ ضَرَبُوهُ بالسِّيَاطِ حَتَّى ألْقَوْهُمْ جَمِيعًا فِي النَّار ، فَأَدْخَلَ اللهُ أرْوَاحَهُمُ الْجَنَّةَ قَبْلَ أنْ تَصِلَ أجْسَامُهُمْ إلَى النَّار) .

وعن وهب بن منبه ، (أن رجُلًا كان على دينِ عيسى ، فوقعَ في نجرانَ فدعاهُم فأجابوهُ ، فسارَ إليه ذو نُؤَاسٍ اليهوديِّ بجنُودهِ من حِميَرَ ، وخيَّرهم بين النار واليهوديَّة ، فخدَّ لهم الأخَادِيدَ وحرَّقَ اثنى عشرَ ألفًا) . وقال الكلبيُّ: (كَانَ أصْحَابُ الأُخْدُودِ سَبْعِينَ ألْفًا) .

ورُوي: أن اليهودَ لَمَّا ألقوا مَن كان على دينِ عيسى ، كان معهم امرأةٌ معَها ثلاثةُ أولادٍ أحدُهم رضيعٌ ، فقالَ لها الملِكُ: ارجعِي عن دينكِ وإلاَّ ألقيتُكِ وأولادَكِ في النار. فأَبَتْ. فأخذ ابنَها الأكبرَ فألقاهُ في النار ، ثم قالَ لها: ارجعِي عن دينكِ ، فَأَبتْ.

فأخذ ابنَها الثانِي فألقاهُ في النار ، ثم قالَ لها: ارجعِي عن دينكِ ، وأخذ الطفلَ منها ليُلقيَهُ في النار ، فهمَّتْ بالرُّجوع عن دينِها ، فقال لها الطفلُ: يا أماهُ لا ترجعِي عن الإسلامِ واصبرِي فإنَّكِ على الحقِّ ، فأُلقِيَ الطفلُ وأُمُّه في النار ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ } الأخدودُ: هي الْحُفَرُ المشقوقةُ في الأرضِ مستطيلةٌ وجمعها أخَادِيدُ ، يقال: خَدَدْتُ في الأرضِ ؛ أي شققتُ فيها حفرةً طويلة ، وعن عطيَّة قال: (خَرَجَتْ عُنُقٌ مِنَ النَّار فَأَحْرَقَتِ الْكُفَّارَ عَنْ آخِرِهِمْ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت