فهرس الكتاب

الصفحة 477 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ } ؛ أي ولكلِّ واحدٍ من الرجال والنساء جعلنَا موالِي عَصَبَةٍ يَرثُونَهُ مِمَّا تركَهُ والدُه وأقرباؤُه من ميراثِهم ، والوالدان والأقربونَ على هذا التأويلِ همُ المورّوثون. وَقِيْلَ: معناهُ: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ؛ أي وَرَثَةً مِن الذين تركَهُم ، ثم فسَّرهم فقالَ: الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ، على هذا التأويل هم الوارثُون.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } ؛ في محِلِّ الرفع بالابتداء ، والمُعَاقَدَةُ هي الْمُعَاهَدَةُ بين اثنين. وقرأ أهلُ الكوفة (عَقَدَتْ) بغير ألف أراد عقدت لهم أيْمانُهم. قال ابنُ عبَّاس: (كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذا أعْجَبَهُ ظُرْفُ الرَّجُلِ عَاقَدَهُ وَحَالَفَهُ ؛ وَقَالَ: أنْتَ ابْنِي تَرِثُنِي ؛ خِدْمَتِي خِدْمَتُكَ ؛ وَذِمَّتِي ذِمَّتُكَ ؛ وَثَأْري ثأْرُكَ ، فَيَكُونُ بهِ ببَعْضِ وَرَثَتِهِ مِثْلُ نَصِيْب أحَدِهِمْ ، إلاَّ أنْ يَنْقُصَ نَصِيْبُهُ عَنِ السُّدُسِ لِكَثْرَةِ الْوَرَثَةِ ؛ فَيُعْطَى السُّدُسَ خَاصَّةً لاَ يُنْقَصُ مِنْهُ شَيْءٌ ، ثُمَّ نُسِخَتْ بقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } [الأنفال: 75] ) .

قال قتادةُ: (أرَادَ بقَوْلِهِ: { وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ } : الْحُلَفَاءُ ؛ كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: دِيْنِي دِيْنُكَ ؛ وَثَأْري ثأْرُكَ ؛ وَحِزْبي حِزْبُكَ ؛ وَسِلْمِي سِلْمُكَ ؛ تَرِثُنِي وَأرثُكَ ؛ تَعْقِلُ عَنِّي وَأعْقِلُ عَنْكَ ؛ وَتَطْلُبُ بي وَأَطْلُبُ بكَ ، فَيَكُونُ لِلْحَلِيْفِ السُّدُسُ ثُمَّ نُسِخَ ذلِكَ بِقَوْلِهِ: { وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ } [الأنفال: 75] ) . وقال مجاهدُ: (أرَادَ بقَوْلِهِ: { فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } النَّصْرَ وَالْعَقْلَ وَالرَّفَادَةَ دُونَ الْمِيْرَاثِ) .

فَعَلَى هَذا تَكُونُ الآية غيرَ منسوخةٍ لقولهِ تعالى: { أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ } [المائدة: 1] ولقولهِ صلى الله عليه وسلم:"أوْفُوا لِلْحُلَفَاءِ بعُهُودِهِمْ الَّتِي عَقَدَتْ أيْمَانُكُمْ"وليس معنى قولِ ابن عبَّاس أنَّ هذه الآية منسوخةٌ ، نُسِخَ حُكمها من الأصلِِ ، ولكن معناهُ: تقديمُ ذوي الأرحامِ على أهلِ العقد ، وهو كحدوثِ ابنٍ لِمَنْ لهُ أخٌ لا يخرجُ الأخَ من أن يكون أهْلًا للميراثِ إلاَّ أن يكون الابنُ أولى منه ، كذلك أولي الأرحامِ أوْلى من الحليفِ ، فإذا لم يكن للميتِ رَحِمٌ ولا عُصْبَةٌ فالميراثُ للحليفِ ، ولِهذا قال أصحابُنا: فمن أسلمَ على يدَي رجلٍ ووالاهُ - عَاقَدَهُ - ثم ماتَ ولا وارثَ له غيرهُ أن ميراثَه لهُ ، ولِهذا قالوا: إنَّ من أوصَى بجميعِ ماله ولا وارثَ له صحَّتِ الوصيةُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا } ؛ أي لم يَزَلْ شاهدًا على كلِّ شيء من إعطاءِ النصيب ومنعِه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت