قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَار يُقالُ لَهُ طُعْمَةُ بْنُ أبَيْرِق ؛ سَرَقَ دِرْعًا مِنْ جَارٍ لَهُ يقالُ لَهُ: قتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ ، وَكَانَتِ الدِّرْعِ فِي غِرَارَةٍ وَجِرَابٍ فِيْهِ دَقِيْقٌ ، فَانْتَثَرَ الدَّقِيْقُ مِنَ الْمَكَانِ الَّّذِي سَرَقَهُ إلَى بَاب مَنْزِلِهِ ، فَفُطِنَ بهِ أنَّهُ هُوَ السَّارِقُ ؛ فَمَضَى بالدِّرْعِ إلَى يَهُودِيٍّ يُقَالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ فَأَوْدَعَهُ إيَّاهَا ، فَالْتُمِسَتِ الدَّرْعُ عِنْدَ طُعْمَةَ فَلَمْ تُوجَدْ عِنْدَهُ ، فَحَلَفَ لَهُمْ مَا أخَذهَا وَلاَ لَهُ عِلْمٌ ، فَقَالَ أصْحَابُ الدِّرْعِ: لَقَدْ أدْلَجَ عَلَيْنَا وَأخَذهَا ، وَطَلَبْنَا أثَرَهُ حَتَّى دَخَلْنَا دَارَهُ ، وَلَقِيْنَا الدَّقِيْقَ مُنْتَثِرًا ، فَلَمَّا حَلَفَ تَرَكُوهُ وَاتَّبَعُواْ أثَرَ الدَّقِيْقِ حَتَّى انْتَهَوا إلَى مَنْزِلِ الْيَهُودِيِّ وَطَلَبُوهُ ، فَقَالَ: دَفَعَهَا إلَيَّ طُعْمَةُ بْنُ أبَيْرِق ، وَشَهِدَ لَهُ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى ذلِكَ ، فَقَالَ قَوْمُ طُعْمَةَ: انْطَلِقُواْ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَنُكَلِّمُهُ فِي صَاحِبنَا نُعذُرُهُ وَنَتَجَاوَزُ عَنْهُ ، فَإنَّ صَاحِبَنَا بَرِيْءٌ مَعْذُورٌ. فَأَتَواْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانُواْ أهْلَ لِسَانٍ وَبَيَانٍ ، فَسَأَلُوهُ أنْ يَعْذُرَهُ عِنْدَ النَّاسِ ؛ فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يَعْذُرَهُ وَيُعَاقِبَ الْيَهُودِيَّ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .
وفي رواية عن ابنِ عبَّاس: (أنَّ طُعَمَةَ سَرَقَ دِرْعًا ؛ وَكَانَ الدِّرْعُ فِي جِرَابٍ فِيْهِ نِخَالَةٌ ، فَخَرَقَ الْجِرَابَ حَتَّى كَانَ يَتَنَاثَرُ النِّخَالَةُ بطُولِ الطَّرِيْقِ ، فَجَاءَ بهِ إلَى دَارَ زَيْدِ بْنِ السَّمِيْنِ الْيَهُودِيِّ وَتَرَكَهُ عَلَى بَاب دَارهِ ، وَحَمَلَ الدِّرْعَ إلَى بَيْتِهِ ، فَلَمَّا أصْبَحَ صَاحِبُ الدِّرْعِ جَاءَ إلَى زَيْدِ بْنِ السَّمِيْنِ عَلَى أثَرِ النِّخَالَةِ ، وَحَمَلَهُ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يَقْطَعَ يَدَهُ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) . إنا أنزلنا إليك يا مُحَمَّدٌ القُرْآنَ إنْزالًا بالحقِّ ، وَقِيْلَ: (بالْحَقِّ) أي بالأمرِ والنَّهي والفصلِ لتحكمَ بين الناسِ بما أعلمَكَ اللهُ وأوحَى إليكَ ، { وَلاَ تَكُنْ } ؛ يَا مُحَمَّدُ ؛ { لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا } ؛ أي لِطُعْمَةَ وقومهِ مُعِيْنًا.