فهرس الكتاب

الصفحة 786 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } ؛ أي كما أرينا إبراهيم النصرةَ في دينهِ والحقَّ في مخالفة قومهِ ؛ نُرِيَهُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ؛ أي مُلْكُهَا ونريه القدرةَ التي يقوِّي بها دلالتَهُ على توحيدِ الله تعالى ، وهو ما رأى من السماءِ والأرض والكواكب والقمرِ والشمس.

وقال مجاهدُ وسعيدُ بن جبيرٍ: (مَعْنَى: { وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } أيْ آيَاتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ؛ وَذلِكَ أنَّهُ أُقِيْمَ عَلَى صَخْرَةٍ وَكُشِفَ لَهُ عَنِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى الْعَرْشَ وَأسْفَلَ الأَرْضِيْنَ ، وَنَظَرَ إِلَى مَكَانِهِ فِي الْجَنَِّةِ ؛ وَذلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: { وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا } [العنكبوت: 27] يَعْنِي أرَيْنَاهُ مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ) .

وقيل: معنى الآية: كما أرَينا إبراهيمَ قُبْحَ ما كان عليه أبوهُ وقومه من المذهب ؛ كذلك نُرِيَهُ ملكوتَ السموات والأرض. والْمَلَكُوتُ: عِبَارَةٌ عَنْ أعْظَمِ الْمُلْكِ ؛ زيدتِ الواوُ والتاء للمبالغةِ ؛ كما يقال: رَهَبُوتٌَ خَيْرُ مِنْ رَحَمُوت ، هذا مثلٌ يقوله العربُ ؛ معناه: لئن تُرهب خيرٌ من أن تُرحم. فملكوتُ السموات: الشمسُ والقمر والنجوم ؛ وملكوتُ الأرض: الجبال والشجرُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ } ؛ أي نُرِيَهُ الملكوتَ ليستدلَّ بذلك على توحيدِ الله ويَثْبُتَ على اليقين.

قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ: { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـاذَا رَبِّي } قال المفسرون: إنَّ إبراهيم وُلِدَ في زمانِ النَّمْرُودِ بْنِ كَنْعَانَ ، وكان النمرودُ أولَ من دعا الناسَ إلى عبادتهِ ، وكان له كهَّان ومنجِّمون ، فقالوا له: إنهُ يولد في هذه السنةِ غلامٌ يغيِّرُ دينَ أهل الأرض ، ويكونُ هلاكُكَ وزوالُ مُلْكِكَ على يديهِ.

قال السديُّ: (رَأى النَّمْرُودُ فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ كَوْكَبًا طَلَعَ فَذَهَبَ بضَوْءِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ حَتَّى لَمْ يُبْقِ لَهُمَا ضَوءًا ، فَفَزِعَ مِنْ ذلِكَ وَدَعَا السَّحَرَةَ وَالْكُهَّانَ ؛ وَسَأَلَهُمْ عَنْ ذلِكَ فَقَالُواْ: هُوَ مَوْلُودٌ يُولَدُ فِي نَاحِيَتِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ ، وَأمَرَ الرِّجَالَ باعْتِزَالِ النِّسَاءِ ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْحُرِّاسَ ، فَمَكَثَ كَذلِكَ مَا شَاءَ اللهُ) .

قال السديُّ:(خَرَجَ النَّمْرُودُ بالرِّجَالِ إلَى الْعَسْكَرِ ، وَنَهَاهُمْ عَنِ النِّسَاءِ مَخَافَةً مِنْ ذلِكَ الْمَوْلُودِ ، فَبََدَتْ لَهُ حَاجَةٌ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَلَمْ يأْتَمِنْ عَلَيْهَا أحَدًا مِنْ قَوْمِهِ إلاَّ آزَرَ ، فَدَعَاهُ وَأَمَرَهُ لِحَاجَتِهِ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَقَالَ لَهُ: إنَّكَ ثِقَتِي ؛ فَأَقْسَمْتُ إلَيْكَ أنْ لاَ تَدْنُو مِنِ امْرَأَتِكَ وَلاَ تُوَاقِعْهَا ، ثُمَّ أوْصَاهُ بحَاجَتِهِ. فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِيْنَةَ وَقَضَى حاَجَتَهُ ، قالَ: لَوْ دَخَلْتُ عَلَى أهْلِي فَرَأْيْتُ كَيفَ حَالُهُمْ ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى امْرَأتِهِ لَمْ يَتَمَالَكْ حَتَّى وَقَعَ عَلَيْهَا ، وَكَانَتْ قَدْ طَهُرَتْ مِنَ الْحَيْضِ ، فَحَمَلتْ بإِبْرَاهِيْمَ عليه السلام ، فَلَمَّا حَمَلَتْ بهِ ؛ قَالَتْ الْكَهَنَةُ لِلنَّمْرُودِ: إنَّ الْغُلاَمَ الَّذِي أخْبَرْنَاكَ بهِ قدْ حَمَلَتْ بهِ أُمُّهُ اللَّيْلَةَ ، فَأَمَرَ النَّمْرُودُ بذبْحِ كُلِّ وَلَدٍ مِنَ الْغِلْمَانِ.

فَلَمَّا دَنَتْ ولاَدَةُ أُمِّ إبْرَاهِيْمَ وَأخَذهَا الْمخَاضُ ، خَرَجَتْ هَاربَةً مَخَافَةَ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهَا فَيُقْتَلُ وَلَدُها ، فَوَضَعَتْهُ فِي مَوْضِعٍ ، ثُمَّ لَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ وَجَعَلَتْهُ فِي الْحَلْفَاءِ ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى زَوْجِهَا فَأْعْلَمَتْهُ ، فَانْطَلَقَ أبُوهُ إلَيْهِ وَحَفَرَ لَهُ سَرَبًا فِي ذلِكَ الْمَكَانِ وَجَعَلَهُ فِيْهِ ، وَسَدَّ عَلَيْهِ بصَخْرَةٍ مَخَافَةَ أنْ تَأْكُلَهُ السِّبَاعُ ، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَخَتَلِفُ إلَيْهِ سِرًّا فَتُرْضِعُهُ ، وَكَانَ إذا بَكَى عَلَى أُمِّهِ أتَاهُ جِبْريْلُ عليه السلام فَوَضَعَ إصْبَعَهُ فِي فَمِهِ فَيَخْرُجُ مِنْهَا اللَّبَنُ ، فَكَانَ يَمُصُّ سَبَّابَةَ نَفْسِهِ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت