فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ } ؛ أي سأل لهم السُّقيا ، وذلك أنَّهم عطشوا في التَّيْهِ فقالوا: يا موسى من أين لنا الشرابُ ، وكان قولهم له حال نزولِهم في الأرضِ الْقِفْرِ بعد غرقِ فرعون ؛ فاستسقى لهم موسى ، { فَقُلْنَا } ؛ أي فأوحَى الله إليه: أنْ ؛ { اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ } ؛ وكانت عصاه من آس الجنَّة طولُها عشرة أذرعٍ على طولِ موسى ؛ ولها شُعبتان تتَّقدان في الظلمةِ نورًا ، وكان آدمُ حملها معهُ من الجنَّة إلى الأرضِ فتوارثتها الأنبياء صاغِرًا عن كابرٍ حتى وصلَ إلى شعيب فأعطاها موسَى.

وأما الحجرُ الذي أمر موسى بضربه فقد اختلف فيه المفسرون ، قال وَهَبُ بنُ مُنَبه: كَانَ مُوسَى يَضْرِبُ لَهُمْ أقْرَبَ حَجَرٍ مِنْ عَرَضِ الْحِجَارَةِ ؛ فَتَفَجَّرَ عُيُونًا لِكُلِّ سَبْطٍ عَيْنًا ، وَكَانُوا اثْنَى عَشَرَ سَبْطًا ، ثُمَّ تَسِيْلُ كُلُّ عَيْنٍ فِي جَدْوَلٍ إلَى السَّبْطِ الَّذِي أُمِرَ أنْ يَسْقِيَهُمْ.

ثم إنَّهم قالوا: إن فقدَ موسى عصاهُ مِتْنَا عطشًا ، فأُوحِيَ إليهِ: يا موسى ، لا تَقْرَعَنَّ الحجارةَ ، ولكن كلِّمها تُطِعْكَ لعلهم يعتبرون. فقالوا: كيفَ بنا إذا أفضينا إلى الأرضِ التي ليس فيها حجارةٌ ؟ فحملَ موسى معَهُ حَجَرًا ، فحيثما نزلوا ألقاهُ.

وقال آخرون: كان حَجَرًا مخصوصًا بعينهِ ؛ والدليلُ على ذلك إدخالٌ الألف واللام عليه وذلك للتعريف ؛ ثم اختلفوا فيه مَا هُوَ ؟ قال ابنُ عباس: (كَانَ حَجَرًا خَفِيْفًا مُرَبَّعًا مِثْلَ رَأْسِ الرَّجُلِ يَحْمِلُهُ مَعَهُ ، فَإِذَا احْتَاجُواْ إلَى الْمَاءِ وَضَعَهُ وَضَرَبَهُ بعَصَاهُ) . وروي أنه كان رُخامًا. وقيل: كان حجرًا فيه اثنا عشر حفرةً تنبعُ من كل حفرة عينُ ماءٍ عذبٍِ فراتٍ ؛ فإذا اتخذوا حاجتهم من الماء ؛ وأراد موسى حملهُ ضربه بعصاه ، فغارَ الماءُ وانقطعَ. وكان يسقي كلَّ يوم ستمائة ألف.

وقال سعيد بن جبير: (هُوَ الَّذِي وَضَعَ مُوسَى عَلَيْهِ ثَوْبَهُ لِيَغْتَسِلَ حِيْنَ رَمَوْهُ بالأَذرَةِ ؛ فَنَفَرَ الْحَجَرُ بثَوْبهِ وَمَرَّ بهِ عَلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ حَتَّى عَلِمُواْ أنَّهُ لَيْسَ بآدَرٍّ ؛ فَلَمَّا وَقَفَ الْحَجَرُ أتَاهُ جِبْرِيْلُ عليه السلام ؛ فَقَالَ: يَا مُوسَى إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ لَكَ: إرْفَعْ هَذَا الْحَجَرَ فَلِي فِيْهِ قُدْرَةٌ وَلَكَ فِيْهِ مُعْجِزَةٌ. وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى ذلِكَ فِي قَوْلِهِ: { لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَى فَبرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ } [الأحزاب: 69] فَحَمَلَهُ مُوسَى وَوَضَعَهُ فِي مِخْلاَتِهِ ، وَكَانَ إذَا احْتَاجَ إلَى الْمَاءِ ضَرَبَهُ بعَصَاهُ) .

وقصَّة ذلك الحجر ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"كَانَ بَنُو إسْرَائِيْلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً ؛ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى سَوْءَةِ بَعْضٍ ؛ وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ. فَقَالُواْ: مَا يَمْنَعُ مُوسَى أنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلاَّ أنَّهُ أدَرّ ، فَذَهَبَ يَغْتَسِلُ مَرَّةً ؛ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بثَوْبهِ ، فَجَمَحَ مُوسَى بأَثَرِهِ يَقُولُ: ثَوْبي يَا حَجَرُ ثَوْبِي يَا حَجَرُ ، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إسْرَائِيْلَ إلَى سَوْءَةِ مُوسَى ؛ فَقَالُواْ: وَاللهِ مَا بمُوسَى مِنْ بَأْسٍ فَقَامَ بَعْدَمَا نَظَرَ بَنُو إسْرَائِيْلَ إلَيْهِ ؛ فَأَخَذَ مُوسَى ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بالْحَجَرِ ضَرْبًا".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت