فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } ؛ لَمَّا نزلت الآياتُ المتقدِّمة قالتِ اليهودُ: نحنُ أبناءُ اللهِ واحبَّاؤُه ، وإنَّما يقولُ الله مثلَ هذه الآياتِ في أعدائه ، وأرادوا بقولهِ أحبَّاؤُه: نُحِبُّهُ وَيُحِبُّنَا ؛ فأنزلَ اللهُ هذه الآية.

والْمَحَبَّةُ: في الحقيقةِ هي الإرادةُ ، وهو أن تريدَ نَفْعَ غيرك فيبلُغَ مرادَه في نفعك إيَّاهُ ، وأما الْعِشْقُ: وهو إفراطُ الْمَحَبَّةِ في هذا المعنى. وأما مَحَبَّةُ الطعامِ والملاذِ ؛ فهو شهوةٌ وتَوَقَانُ النفسِ. وأما مَحَبَّةُ العباد للهِ تعالى ، فاللهُ يستحيلُ عليه المنافع ، فلا يصحُّ أن يرادَ بمُحِبهِ هذه الطريقة لكي يراد بها إعظامُه وإجلاله وطاعتهُ ومحبَّة رسلهِ وأوليائِه ، ومحبَّة الله إيَّاهم إثابتهُ إياهم على طاعتِهم ؛ وإنعامهُ عليهم ؛ وثناؤُه عليهم ؛ ومغفرَتُه لهم.

ومعنى الآيةِ: إنْ كُنتُم تحبُّون طاعةَ الله والرضا بشرائعهِ فاتَّبعونِي على دينِي يَزِدْكُمُ اللهُ حُبًّا ، { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } ؛ في اليهوديَّة ؛ { وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .

وروى الضحَّاك عن ابنِ عبَّاس وقال:"وَقَفَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى قُرَيْشٍ وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَقَدْ نَصَبُواْ أصْنَامَهُمْ ، وَعَلَّقُوا عَلَيْهَا بَيْضَ النَّعَامِ ، وَجَعَلُواْ فِي آذَانِهَا الشُّنُوفَ وَهُمْْ يَسْجُدُونَ لَهَا ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ؛ وَاللهِ لَقَدْ خَالَفْتُمْ مِلَّةَ أبيْكُمْ إبْرَاهِيْمَ"وَقَالَتْ قُرَيْشُ: إنَّمَا نَعْبُدُ هَذِهِ حُبًّا للهِ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللهِ زُلْفَى ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ"أي قُلْ لَهُمْ يا مُحَمَّدُ صلى الله عليه وسلم إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبعُونِي يُحْبْكُمُ اللهُ ، فَأَنَا رسولُ اللهِ إليكم ، وحجَّتُه عليكم ، وأنا أوْلَى بالتعظيمِ من أصْناَمِكُمْ. فلما نزلَتْ هذهِ الآيَةُ عرضَها عليهم فلم يقبَلُوا.

وقيل: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْيَهُودِيِّ ، فَقَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي سَلُولٍ: إنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم يَجْعَلُ طَاعَتَهُ كَطَاعَةِ اللهِ ، وَيَأْمُرُنَا أنْ نُحِبَّهُ كَمَا أحَبَّتِ النَّصَارَى عِيْسَى عليه السلام ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } ؛ أي فإنْ لَم يفعلوا ما تدعوهُم إليه من إتِّباعِك وطاعةِ أمرِكَ فإنَّ اللهَ تعالى لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِيْنَ ؛ أي لا يغفرُ لَهم ولا يُثني عليهم.

فلما نزلتْ هذه الآيةُ قالتِ اليَهُودُ: نحنُ أبناءُ إبراهيمَ وإسحاق ويعقوبَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ ونحنُ على دينهم ، فأنزلَ الله قولَه تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ } ؛ معناهُ: أنَّ اللهَ اصطفاهُم بالإسلام ، وإنَّ آدمَ كما لم ينفع أولادَه المشركين كذلك سائرَ الأنبياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ لا ينفعونهم. وصَفْوةُ الله: هم الذين لا دَنَسَ فيهم بوجهٍ من الوجوهِ ؛ لا في اعتقادٍ ولا في الفعلِ ، والاصْطِفَاءُ: هو الاختيارُ ، والصَّفْوَةُ: هو الخالِصُ من كلِّ شيءٍ ، فمعناهُ: { اصْطَفَى ءَادَمَ } أي اختارهُ واستخلَصه.

واختلفُوا في آلِ عمران في هذهِ الآية ؛ قيلَ: أراد بهم موسى وهارُونَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ ، وقيلَ: أرادَ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت