فهرس الكتاب

الصفحة 1359 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { حَتَّى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (وَذلِكَ أنَّ اللهَ أوْحَى إلَيْهِ أنَّ مَوْعِدَكَ أنْ يَخْرُجَ الْمَاءُ مِنْ آخِرِ مَكَانٍ فِي دَاركَ وَهُوَ تَنُّورُ الْخَابزَةِ ، تَنُّورُ آدَمَ عليه السلام كَانَ يَوْمَ حَجَّ نُوحٌ عليه السلام رَأى تَنُّورَ آدَمَ عليه السلام فَحَمَلَهُ مَعَهُ ، وَوَهَبَهُ اللهُ تَعَالَى لَهُ) .

ثمَّ قَالَ لَهُ: إذا رَأَيْتَ الْمَاءَ قَدْ فَاضَ مِنْهُ فَاحْمِلْ فِي السَّفِينَةِ مَا أُمِرْتَ بهِ مِنْ أجْنَاسِ الْحَيْوَانِ ، { مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } ؛ واحمِلْ ؛ { وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } ؛ بالعذاب وهي امرأتهُ الكافرة وابنهُ كنعان استثنَاهما اللهُ من جُملة أهلهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَنْ آمَنَ } ؛ أي احمِلْ مَن آمَنَ معكَ أيضًا في السَّفينة ، قال ابنُ عبَّاس وعكرمة الزهريُّ: (مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: { وَفَارَ التَّنُّورُ } أيِ انْبَجَسَ الْمَاءُ عَلَىَ وَجْهِ الأَرْضِ) . وقال عليٌّ رضي الله عنه: (وَفَارَ التَنُورُ ؛ أيْ طَلَعَ الْفَجْرُ) .

وقولهُ تعالى: { جَآءَ أَمْرُنَا } أي عذابُنا ، وقولهُ تعالى: { قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } أي احمِلْ في السفينةِ من كلِّ زوجين اثنين ، الذكَرُ زوجٌ والأُنثى زوجٌ ، وهو قولُ الحسنِ ومجاهد وقتادة ؛ قالوا: (ذكَرًا وَأُنْثَى) .

فلما فارَ الماءُ من التَّنورِ أرسلَ الله السماءَ بمطرٍ شديد ، فأقبلتِ الوحوشُ حين أصابَها مطرُ السماءِ إلى نوح وسُخِّرت ، فحَمل في السفينةِ من كلِّ طير زَوجين ، ومن كلِّ وحشٍ زوجين ، وكلِّ دابَّة وبَهيمة زَوجين ، ومن كلِّ سَبُعٍ زوجين ، وحمَلَ من البقرِ والغنم خمسةَ أزواجٍ.

وبعثُ اللهُ جبريلَ فقطعَ فِقَارَ العقرب ، وضربَ فمَ الحيَّة فحمَلَها في السَّفينة ، وكانت السماءُ تُمْطِرُ ، وكان هو عندَ قومهِ يحذِّرُهم حتى ابتلَّت أقدامُهم ، وصارَ الماءُ إلى الكعَبين ، ثم حذرَهم حتى صارَ الماءُ إلى نصفِ الساق ، ثم حذرَهم حتى صارَ إلى الرُّكَب وإلى الْحِقْوَيْنِ ، كلُّ ذلك يحذِّرُهم ويُنذِرهم ، وكان يَنُوحُ ويَبكِي عليهم ، وقال ابنُ عبَّاس: (سُمِّيَ نُوحًا ، لأنَّهُ كَانَ يَنُوحُ عَلَى الإسْلاَمِ حَيْثُ لَمْ يُقِرَّ به قَوْمُهُ) .

فلمَّا بلغَ الماءُ الشِّدْوَةَ قالَ: غَرِقَ قَومِي ، ثم قال لابنهِ كنعانُ: (يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا) فكَثُرَ الماءُ حتى صار فوقَ الجبالِ خمسةَ عشر ذِراعًا بالذراع الأول ، وكان للسفينةِ ثلاثةُ أبوابٍ بعضُها أسفل من بعضٍ ، حملَ في الباب الأسفل السِّباع والهوامَّ ، وفي الباب الأوسط الوحْشَ والبهائِمَ ، وفي الباب الأعلَى بني آدمَ ، وكانوا ثمانين إنسانًا ، أربعين رجُلًا وأربعين امرأةً ، سِوَى التي غَرِقَتْ ، وثلاثةَ بنين: سَامٌ وحَامٌ وَيَافِثُ ، ونساؤُهم وإثنان وسَبعُون إنسانًا فيهم الْخَضِرُ وهو ابنُ بنتِ نوحٍ.

واختلَفُوا في مقدار السفينة ، قال الحسنُ: (كَانَ طُولُهَا ألْفًا وَمِائَتَي ذِرَاعٍ ، وَعَرْضُهَا سِتُّمِائَةِ ذِرَاعٍ) ، وقال ابنُ عبَّاس: (كَانَ طُولُهَا ثَلاَثمِائَةِ ذِرَاعٍ وَعَرْضُهَا خَمْسِينَ ذِرَِاعًا ، وَارْتِفَاعُهَا ثَلاَثِينَ) وهو قولُ قتادةَ قال: (وَكَانَ لَهَا بَابَانِ فِي عَرْضِهَا) .

وقولهُ تعالى: { وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } أي واحمِلْ أهلَكَ ، يعني ولدَهُ وعياله ، { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ } يعني امرأتَهُ وأهله وابنهُ كنعان ، و { وَمَنْ آمَنَ } يعني واحمِلْ مَنْ آمنَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } ؛ أي إلا نفرٌ قليل ، قِيْلَ: ثَمانون إنسانًا ، وَقِيْلَ: ثلاثةُ بنين وثلاثُ كَنَائِن ، الكَنَائِنُ: زوجاتُ البَنِين ، وقال ابنُ جريج: (كَانُوا ثَمَانِيَةَ أنْفُسٍ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت