فهرس الكتاب

الصفحة 797 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ } ؛ قال ابن عبَّاس وسعيدُ بن جُبير في معنى هذه الآية:"جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُقَال لَهُ مَالِكُ بنُ الصَّيْفِ ، وَكَأنَ رَأْسَ الْيَهُودِ ؛ فَقَِالَ لَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"أُنْشِدُكَ اللهَ يَا مَالِكُ بالَّذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى عليه السلام ؛ أتَجِدُ فِيْهَا أنَّ اللهَ يَبْغَضُ الْحَبْرَ السَّمِيْنَ ؟"قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:"فأَنْتَ الْحَبْرُ السَّمِيْنُ ، وَقَدْ سَمََّنَتْكَ مَأكَلَتُكَ الَّتِي ُتُطْعِمُكَ الْيَهُودُ ، وَلَسْتَ تَصُومُ - أيْ وَلَسْتَ تُمْسِكُ-"فَضَحِكَ بهِ بَعْضُ الْقَوْمِ ، فَغَضِبَ مَالِكٌ ، وَكَانَ حَبْرًا سَمِيْنًا ، ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عُمَرَ رضي الله عنه وَقَالَ: مَا أنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ".

وقال السُّدِّيُّ: (نَزَلَتْ في فِنْحَاصَ بْنِ زَوْرَاءَ ؛ وَهُوَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ) . وقال مُحمد بن كعبٍ: (جَاءَ نَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ إلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ وَهُوَ مُحْتَبٍ ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، ألاَ تَأْتِيْنَا بكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، كَمَا جَاءَ بهِ مُوسَى مِنْ عِنْدِ اللهِ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ } [النساء: 153] . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ: مَا أنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ ، وَلاَ عَلَى مُوسَى ، وَلاَ عَلَى عيْسَى ، وَلاَ عَلَى أحَدٍ شَيْئًا. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .

ومعناها: ما عَظَّمُوا اللهَ حقَّ عَظَمَتِهِ ، ولا عَرَفُوهُ حقَّ معرفتِه إذ جَحَدُوا فقَالُوا: مَا أنزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ؛ أي من كتابٍ ولا وَحْيٍ ، { قُلْ } ؛ لَهم يا مُحَمّدُ: { مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَآءَ بِهِ مُوسَى } ؛ يعني التوراةَ ؛ { نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ } ؛ أي ضياءً للناسِ وبيانًا لَهم من الضَّلاَلة ، { تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ } ؛ يكتبونَه صحائفَ ، { تُبْدُونَهَا } ؛ يُظهرونَ ما فيها مما ليسَ فيه صفةُ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم وزمانُه ومبعثه ونبوَّتُه ، { وَتُخْفُونَ كَثِيرًا } ؛ أي يسترون ما فيه صفةُ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم وبَعَثُهُ وآيةُ الرَّجمِ.

وقولُه تعالى: { وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءَابَآؤُكُمْ } ؛ يحتملُ أن يكون خطابًا للمسلمين ، أي عُلِّمْتُمْ أنتم أيُّها المؤمنون من الأحكامِ والحدُودِ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ. والأظهرُ: أنه خطابٌ لليهودِ ؛ لأنه مَسُوقٌ على ما سبقَ ، معناهُ: عَلِمْتُمْ بالقُرْآنِ ما كنتم أخْفَيْتُمُوهُ قبلَ نزولِ القُرْآنِ ؛ لأنَّهم قد ضَيَّعُوا شيئًا كثيرًا من الْقُرْآنِ والأحكامِ ، وكانوا يُعَانِدُونَ ولا يعملونَ حتى صاروا كأنُّهم لم يعلمُوه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { قُلِ اللَّهُ } ؛ معناه: إنْ هم أجابُوكَ وقالوا: أعْلَمَنَا اللهُ ، وإلا فَقُلْ: اللهُ عَلَّمَكُمْ. ويقال معناهُ: قُلْ اللهُ أنزلَ الكتابَ على موسى ، { ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ } ؛ أي دَعْهُمْ واتركهم في باطلِهم يَلْهُونَ ، ويقال لكلِّ من عَمِلَ ما لا ينفعهُ: إنَّما أنْتَ لاَعِبٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت