وقوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ } ، وذلك أنه لَمَّا دنا هلاكُ فرعون أمرَ الله موسى أن يسري ببني إسرائيل من مصرَ ؛ فأمرَ موسى قومَه أن يُسْرِجُوا في بيوتِهم إلى الصُّبح. وألقى اللهُ على القِبْطِ الموتَ ؛ فاشتغلوا بدفنهم ، وخرجَ موسى في ستمائة ألفٍ وعشرين ألفًا سوَى الذُّرية. وكان موسى على ساقَتِهم وهارون على مقدِّمتهم ، فخرجَ فرعون على طلبهم وعلى مقدمته هامانُ في ألفِ ألفٍ وسبعمائة ألف ، وسارَ بنو إسرائيل حتى وصلُوا البحرَ والماءُ في غايةِ الزيادة. ونظرُوا فإذا هم بفرعونَ وقومهِ وذلك حين أشرقَت الشمسُ. فبقوا متحيِّرين ؛ قالوا: يا موسَى كيف نصنعُ ؛ وما الحيلةُ وفرعون خلفَنا والبحرُ أمامنا ؟ فقال موسى: (كَلاَّ ؛ إنَّ مَعِي رَبِي سَيَهْدِينِي) . فأوحَى اللهُ إليه: { أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ } [الشعراء: 63] فضربهُ فلم يَنْفَلِقْ. فأوحَى الله إليه: أنْ كَنِّهِ ؛ فضربهُ بعصاه وقال: انْفَلِقْ أبَا خالدٍ بإذن الله عَزَّ وَجَلَّ. { فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ } [الشعراء: 63] . وظهرَ فيه اثنا عشر طريقًا ؛ لكل سِبْطٍ طريقٌ ، وأرسلَ الله الريحَ والشمس على قعرِ البحر فصار يَبَسًا ؛ فخاضَت بنو إسرائيل البحرَ كل سِبْطٍ في طريق ، وعن جانبيه الماءُ كالجبل الضَّخم لا يرى بعضهم بعضًا ، فخافُوا! وقال كلُّ سبطٍ: قد قُتِلَ إخواننا ، فأوحَى الله إلى جبالِ الماء: تشبَّكي فصارَ الماءُ شَبَكَاتٍ يَرى بعضهم بعضًا ويسمعُ كلامَ بعض ؛ حتى عبَروا البحرَ سالمين. فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ } أي فلقناهُ وصيَّرنَا الماءَ يَمينًا وشمالًا. وقوله: { فَأَنجَيْنَاكُمْ } أي من الغرقِ ومن آل فرعون.
وقولهُ: { وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ } ؛ وذلك أنَّ فرعون لَمَّا وصل إلى البحرِ ورآه منفلقًا. قال لقومهِ: أنظروا إلى البحرِ انفلقَ من هيبَتي حتى أُدرك أعدائي وعبيدي الذين أبقُوا فأقتُلَهم ؛ ادخلوا البحرَ. فهابَ قومهُ أن يدخلوه ؛ ولم يكن في خَيْلِ فرعون أُنثى ، فجاء جبريل على فرسٍ أُنثى ودنَا فتقدَّمهم وخاض البحرَ ، فلما شَمَّت خيولُ فرعون ريحها اقتحمت البحرَ في أثَرِها حتى خاضوا كلّهم البحر ، وجاء ميكائيلُ على فرسٍ خلفَ القوم يحثُّهم ويقول لهم: إلْحَقُوا بأصحابكم ، حتى إذا خرجَ جبريل من البحرِ وَهَمَّ أوَّلُهم أن يخرجَ. أمرَ الله البحر أن يأخذهم ؛ فالتطمَ عليهم ؛ فغرِقوا جميعًا وذلك بمرأى من بني إسرائيل ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ } { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } ؛ إلى مصارعهم.