فهرس الكتاب

الصفحة 3957 من 4495

{ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: (يَعني بقوله { ن } الحوتُ الذي على الأرضِ واسمه لوثيا ، وذلك أنَّهُ لَمّا خلقَ اللهُ الأرضَ وفتَقها ، بعثَ اللهُ مَلكًا من تحتِ العرش فهبط إلى الأرضِ حتى دخلَ تحت الأرضِين السَّبع ، فوضعَها على عاتقهِ وإحدَى يديهِ بالمشرقِ والأُخرى بالمغرب ، فلم يكن لقَدَميهِ قرارٌ ، فأهبطَ اللهُ من الفردوسِ ثَوْرًا له أربعون ألفَ قَرنٍ وأربعون قائمةً ، وجعلَ قرارَ قدمِ الْمَلَكِ على سنامهِ ، فلم تستقرَّ قَدمَاهُ ، فخلقَ الله قوَّة خضراءَ غِلظُها مسيرةُ خمسمائة سنةٍ ، فوضعَها بين سنامِ الثور وآذانه فاستقرَّتْ عليها قدماهُ ، وقُرون ذلك الثور خارجةٌ من أقطار الأرض ومنخاراهُ في البحرِ ، فهو يتنفَّسُ كلَّ يومٍ نَفَسًا ، فاذا تنفَّسَ مدَّ البحرَ ، وإذا ردَّ نفسَهُ جَزَرَ ، فلم يكن لقوائمِ الثور موضعُ قرارٍ ، فخلقَ الله صخرةً خضراءَ كغِلَظِ سَبعِ سموات وسبعِ أرضين ، فاستقرَّت قوائمُ الثور عليها ، وهي الصخرةُ التي قالَ لقمانُ لابنهِ { فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ } [لقمان: 16] ، فم يكن للصَّخرةِ مستَقرٌّ ، فخلقَ الله نُونًا ، وهو الحوتُ العظيم فجعلَ الصخرةَ على ظهرهِ وسائرَ جسدهِ خالٍ ، والحوتُ على البحرِ ، والبحرُ على متنِ الرِّيح ، والريحُ على القدرة) .

وقال بعضُهم: هو اسمُ السُّورة. وَقِيْلَ: هو آخرُ حروفِ الرَّحمن وهي روايةٌ عكرمةَ عن ابنِ عبَّاس قالَ: (الر و حم و ن حُرُوفُ الرَّحْمَنِ) . وقال قتادةُ والضحَّاكُ: (النُّونُ هِيَ الدَّوَاةُ) ، وقال بعضُهم: هو لوحٌ من نورٍ. وقال عطاءُ: (هُوَ افْتِتَاحُ اسْمِ اللهِ تَعَالَى: نُورٌ ، وَنَاصِرٌ) . واختلفوا القراءةَ فيه ، فقرأ بعضُهم بإظهار النون ، وقرأ بعضُهم بإخفائها ، وقرأ ابنُ عبَّاس بالكسرِ على إضمار حروف القَسَمِ ، وقرأ عيسَى بن عمر بالفتحِ على إضمار فعل.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ } قال المفسِّرون: هو القلمُ الذي كتبَ به اللوحَ المحفوظ ، قال ابنُ عبَّاس: (أوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ ، فَقِيلَ لَهُ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَهُوَ قَلَمٌ مِنْ نُورٍ طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) . وَقِيْلَ: لَمَّا خلقَ اللهُ القلمَ ، نظرَ إليه فانشقَّ نِصفَين ثم قالَ لَهُ: إجْرِ ، قالَ يا رب بمَا أجرِي ؟ قال: بما هو كائنٌ إلى يومِ القيامة ، فجرَى على اللوحِ المحفوظ بذلك.

وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ:"سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"أوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَ اللهُ الْقَلَمَ ، ثُمَّ خَلَقَ النُّونَ وَهِيَ الدَّوَاةُ ، ثُمَّ قَالَ: أكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلٍ وَرزْقٍ وَأجَلٍ ، فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ مِنْ ذلِكَ"".

قوله { وَمَا يَسْطُرُونَ } يعني وما تكتبُ الملائكةُ الْحَفَظَةُ من أعمال بني آدمَ ، وجوابُ القسَمِ { مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ } وهو جوابٌ لقولهِم { ياأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } [الحجر: 6] ، فأقسمَ اللهُ تعالى بالنُّون والقلمِ وبأعمال بني آدمَ فقال: { مَآ أَنتَ } ؛ يا مُحَمَّدُ ؛ { بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ } ؛ أي ما أنت بإنعامهِ عليكَ بالنبوَّةِ والإيمانِ بمجنونٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت