فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَوَصَّى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ } ؛ قرأ أهلُ المدينةِ وأهلُ الشَّام: (وَأوْصَى) بالألفِ. وقرأ الباقون بالتشديد. وهما لُغتان ؛ يقال: أوْصَيْتُهُ وَوَصَّيْتُهُ ؛ إذا أمرتُهُ مثلَ إِنْزِلْ ونَزِّلْ. وقَوْلُهُ تَعَالَى: { بِهَآ } يعني بكلمةِ الإخلاص: لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ. وقال أبو عُبيدةَ: (إنْ شِئْتَ رَدَدْتَ الْكِنَايَةَ إلَى الْمِلًَّةِ ؛ لأَنَّهُ ذكَرَ مِلَّةَ إبْرَاهِيْمَ ؛ وَإنْ شِئْتَ رَدَدْتَهَا إلَى الْوَصِيَّةِ) . وقال المفضَّلُ: (بالطَّاعَةِ كِنَايَةً عَنْ غَيْرِ مَذْكُورٍ) . وكنايةُ الْمِلَّةِ هنا أصحُّ ؛ لأن ردَّها إلى المذكور أولَى من ردِّها إلى المدلولِ ، وكلمةُ الإخلاصِ مدلولٌ عليها في ضِمْنِ قولهِ تعالى: { قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } .

وبَنُو إبراهيمَ أربعةٌ: إسْمَاعِيْلُ ؛ وَإسْحَقُ ؛ وَمَدْيَنُ ؛ وَمَدَائِنُ. قوله تعالى: { وَيَعْقُوبُ } قيل: سُمي بيعقوبَ ؛ لأنه خرجَ على إثْرِ العيصِ ؛ وقد مَضَتْ قصتُهما. وقيل: سُمي بيعقوبَ لكثرة عَقِبهِ ، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"بُعِثْتُ عَلَى إثْرِ ثَمَانِيَةِ آلاَفِ نَبيٍّ: أرْبَعَةُ آلاَفٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيْلَ"ومعنى الآية: وصَّى بها أيضًا يعقوبُ بَنِيْهِ الاثنَي عَشَرَ. وحُكي عن مجاهدٍ أنه حكى عن بعضِهم: (وَيَعْقُوبَ) بالنصب عطفًا على بَنِيْهِ داخلًا في جُملتها الموصِّيين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ } ؛ أي الإسلامَ ، { فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ } ؛ أي مؤمنون. وقيل: مُخلصون. وقيل: مُحسنون بربكم الظنَّ. وقيل: مُفَوِّضُونَ.

روي أنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ الْيَهُودُ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ يَعْقُوبَ يَوْمَ مَاتَ أوْصَى بَنِيْهِ بدِيْنِ الْيَهُودِيَّةِ ؟ فأنزلَ اللهُ تعالى قولَهُ: { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ } ؛ أي أكنتم أيُّها اليهودُ حضورًا حين حضرَ يعقوبَ الموتُ ، { إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـاهَكَ وَإِلَـاهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ } ؛ الصادِقَ ، { وَإِسْحَاقَ } ؛ الْحَلِيْمَ.

والمراد بحضور الموت: حضورُ أسبابهِ ؛ لأن مَن حضرَهُ الموتُ لا يتمكَّن من القولِ ، وقد سُمي سببُ الشيء باسْمِه. كما قالَ تعالى: { وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا } [الشورى: 40] .

وقال الكلبيُّ: (مَعْنَى الآيَةِ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمَّا دَخَلَ مِصْرَ رَأى أهْلَهَا يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ وَالنِّيْرَانَ ؛ فَجَمَعَ أوْلاَدَهُ وَخَافَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وَقَالَ لَهُمْ: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي) . وقال عطاءُ: (إنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَقْبضْ نَبيًّا حَتَّى يُخَيِّرَهُ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ ، فَلَمَّا خَيَّرَ يَعْقُوبَ قَالَ: أنْظِرْنِي حَتَّى أَسْأَلَ أوْلاَدِي وَأُوْصِيَهُمْ ؛ فَجَمَعَ أوْلاَدَهُ وَأَوْلاَدَ أوْلاَدِهِ وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ حَضَرَ أجَلِي ، فَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ؟ أيْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِي.(قَالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وَإلَهَ آبَائِكَ) . { إِلَـاهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } .

قرأ يحيى بن مُعَمَّر: (إلَهَ أبيْكَ) على التوحيدِ ؛ قال: لأنَّ إسماعيلَ عمُّ يعقوبَ لا أبوهُ. وقرأ العامَّة: (وَإلَهَ آبَائِكَ) على الجمعِ. وقالوا: عمُّ الرجل صِنْوُ أبيهِ. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم للعباسِ:"هَذَا بَقِيَّةُ آبَائِي"والعربُ تُسمي العمَّ أبًا كما تُسمِّي الْخَالَةَ أُمًّا. قال اللهُ تعالى: { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ } [يوسف: 100] يعني يعقوب وليان ؛ وهي خالةُ يوسف عليه السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت