فهرس الكتاب

الصفحة 666 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي فِنْحَاصَ بْنِ عَازُورَاءَ الْيَهُودِيِّ وَأصْحَابهِ ، كَانَ اللهُ تَعَالَى قَدْ بَسَطَ لَهُمْ فِي الرِّزْقِ ، فَكَانَ مِنْ أخْصَب النَّاسِ ، وأكْثَرِهِمْ خَيْرًا وَأمْوَالًا ، فَلَمَّا عَصَوا اللهَ تَعَالَى فِي مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَبَالَغُوا فِي تَكْذِيبهِ ، كَفَّ اللهُ عَنْهُمْ بَعْضَ الَّذِي كَانَ بَسَطَ عَلَيْهِمْ ، فَعِنْدَ ذلِكَ قَالُوا: يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ) . أي قالُوا على سبيل الْهُزْءِ: إنَّ إلهَ مُحَمَّدٍ الذي أرسلَهُ ممسكةٌ يده عنانَ الرزقِ لا يبسطُ علينا كما كان يبسطُ. وهذا اللفظُ في كلامِ العرب عبارةٌ عن البخلِ ، كما قال تعالى: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ } [الإسراء: 29] أي لا تمسكها عن الإنفاقِ.

قال بعضُهم: إنما قالَ هذه المقالةَ فِنْحَاصُ ولم ينهَهُ الآخرون ، ورَضُوا بقولهِ فأشرَكهم اللهُ فيها ، وأرادوا باليدِ العطاءَ ، لأن عطاءَ الناسِ وبذلَهم في الغالب بأيديهم ، فاستعملَ الناسُ اليدَ في وصفِ الناسِ بالجودِ والبُخل. ويقالُ للبخيلِ: جَعْدُ الأَنَامِلِ ؛ مقبوضُ الكفِّ ؛ مكفوفُ الأصابعِ ؛ مغلولُ اليدَين ، قال الشاعرُ: كَانَتْ خُرَاسَانُ أرْضًا إذ يَزِيدُ بهَا وَكُلُّ بَابٍ مِنَ الْخَيْرَاتِ مَفْتُوحُفَاسْتُبْدِلَتْ بَعْدَهُ جَعْدًا أنَامِلهُ كَأَنَّمَا وَجْهُهُ بالْخَلِّ مَنْضُوحُوقولهُ تعالى: { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } جوابٌ عن كلامِهم على طريقِ المقابلَة في الازدواجِ ؛ أي أمسِكَتْ أيديهم عن الإنفاقِ في الخيرِ ، وجُعِلُوا بُخلاءَ واليهودُ أبْخَلُ الناسِ ، ولا أمَّةٌ أبخلُ منهم. ويقال: معنى (غُلَّتْ أيْدِيهمْ) أي غُلَّت إلى أعناقِهم في نار جهنم ، ويقال: لا يخرجُ يهوديٌّ من الدنيا إلاّ وتصيرُ يدهُ مغلولةً إلى عنقه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ } أي عُذِّبوا بالجزيةِ ، وطُردوا عن رحمةِ الله تعالى لقولهم: { يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ } .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } ؛ عبارةٌ عن الجودِ وكثرة العطيَّة لِمَن يشاءُ ، كما يقالُ: فلان بَسْطُُ اليدَين ، وبَاسِطُ اليدين إذا كان جَوادًا يعطي يَمنَةً ويَسرَةً ، وعن ابنِ عباس: (أنَّ مَعْنَاهُ: بَلْ نِعْمَتَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) ، وأرادَ نعمةَ الدينِ والدنيا ، وَقِيْلَ: نعمتهُ الظاهرةُ ونعمته الباطنة. وَقِيْلَ: أراد بالتثنيةِ في هذا للمبالغةِ في صفة النعمةِ. قال الأعشى: يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ وَكَفٌّ إذا مَا ضَنَّ بالْمَالِ تُنْفِقُوهذا كلُّه لأنَّ اليهود قصَدُوا تبخيلَ اللهِ ، فحوسِبُوا على قدر كلامهم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ } ؛ دليلٌ على أن المرادَ بجواب اليهود بيانُ بسطِ النعمة ، وأنَّ اللهَ يرزقُ كيف يشاءُ بحسب المصالحِ ، فربَّما كان الصلاحُ في أن يعتَبروا ، وربَّما كان في أن يُوسِّع ، ولا يخلو حُكمه عن الحكمةِ.

واعلم أن اليدَ في اللغة تتصرفُ على وجوهٍ ؛ منها: الجارحةُ وهي معروفةٌ ، وتعالَى اللهُ عن الجوارحِ. ومنها: النعمةُ كما يقال: لفلانٍ علَيَّ يدٌ ؛ أي نعمةٌ. ومنها: القوةُ كما قال تعالى: { أُوْلِي الأَيْدِي وَالأَبْصَارِ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت