فهرس الكتاب

الصفحة 2533 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا } ؛ قال المفسِّرون: تَعْذِيْبُهُ إيَّاهُ أن ينتفَ ريشَهُ ثُم يلقيهِ في الشَّمسِ فلا يَمنَعُ مِن نَمْلَةٍ ولا مِن هَوَامِّ الأرضِ. ويقالُ: هو قصُّ جناحهِ ، ويجوزُ أن يُعَاقَبَ بأن لا يجرِي عليه القلمُ على وجهِ التأديب ، كما يؤدِّبُ الأبُ ولده الصغير. وَقِيْلَ: تعذيبهُ أن يَنْتِفَ ريشَهُ ويدعَهُ مُمَعَّطًا في بيتِ النملِ فيلدغوهُ. وَقِيْلَ: معناهُ: لأَشُدَّنَّ رجلَيْهِ وألقيَهُ في الشَّمْسِ ، وَقِيْلَ: لأَطْلِيَنَّهُ بالقَطْرِ وأجعلَهُ في الشَّمسِ. وَقِيْلَ: لأفرِّقنَّ بينَهُ وبين إلْفِهِ. وَقِيْلَ: لأمنعنَّهُ من خدمَتي.

قولهُ تعالى: { أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ } ؛ أي لأقْطَعَنَّ حَلْقَهُ ، { أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } ؛ أي بحجَّةٍ ظاهرة توجبُ عُذْرَهُ في غيبتهِ ، وقصَّتهُ: أنَّ سليمانَ عليه السلام لَمَّا فرغَ من بناءِ بيت المقدسِ عَزَمَ على الخروجِ إلى أرضِ الْحَرَمِ ، فتجهَّزَ للسيرِ واستصحبَ مِن الْجِنِّ والإنسِ والشَّياطينِ والطُّيور والوحوشِ ما بلغَ معسكرهُ مِائَةَ فرسخٍ ، وأمرَ الرِّيحَ فحملَتْهم ، فلما وَافَى الحرمَ أقامَ به ما شاءَ اللهُ أن يُقيمَ ، وكان ينحرُ كلَّ يومٍ مدَّةَ إقامتهِ خمسةَ آلافِ ناقة ، ويذبحُ خمسةَ آلاف ثورٍ ، وعشرون ألفَ شاةٍ ، وأقامَ بمكَّةَ حتى قضَى نُسُكَهُ.

ثُم سارَ إلى أرضِ اليمن فوافََى صنعاءَ اليمنِ وقتَ الزَّوالِ ، فأحبَّ النُّزولَ ليُصَلِّي ويتغدَّى ، فطلَبُوا الماءَ فلم يجدوهُ ، وكان الهدهدُ دليلَهُ على الماءِ ، فلما نَزَلَ سليمانُ قال الهدهدُ: إنَّ سليمانَ قد اشتغل بالنُّزولِ ، فارتفعَ الهدهدُ إلى جهةِ السَّماء ، فنظرَ يَمينًا وشِمالًا فرأى خُضْرَةَ بساتين مَأْربَ في أرضِ بلقيسَ ، فمالَ إلى جهةِ الْخُضْرَةِ ، فالتقَى بهُدهُدٍ من هدهُدِ سََبَأ ، فقال لهُ: مِن أينَ أقبلْتَ وأينَ تريدُ ؟ قال: أقبلتُ من الشَّامِ مع نبيِّ الله سُليمانَ عليه السلام ، قال لهُ: ومَن سليمانُ ؟ قال: مَلِكُ الإنسِ والجنِّ والشياطين والوحوشِ والطُّيور. ثُم قال له هدهدُ سُليمانَ: وأنتَ مِن أين أقبلتَ ؟ قال: مِن هذه البلادِ ، قال: ومَن مَلِكُهَا ؟ قال: امرأةٌ يقالُ لها بَلْقِيْسُ ؛ مَلَكَتِ اليمنَ كلَّها وتحتَها اثنا عشرَ ألفَ قائدٍ ، مع كلِّ قائدٍ مائة ألفِ مقاتل ، فهل أنتَ منطلقٌ معي ننظرُ إلى مُلْكِها ؟ قال: أخافُ أن يَفْقِدَنِي سليمانُ في وقتِ الصَّلاة إذا احتاجَ إلى الماءِ ، فقال لهُ هدهدُ بلقيس: إنَّ صاحبَكم يسرُّهُ أن تأتيهِ بخبرِ هذه الملكةِ. فانطلقَ معهُ ونظرَ إلى بلقيسَ ومُلكِها ، وما رجعَ إلاّ وقتَ العصرِ.

قال: فلما نزلَ سليمانُ ودخلَ عليه وقتُ الصَّلاة ، طلب الهدهدَ لأنه نزلَ غير ماءٍ ، فسألَ الإنسَ عن الماءِ فقالُوا: ما نعلمُ هنا ماءً ، فسأل الجنَّ والشياطينَ فلم يعلَمُوا ، ففقدَ الهدهد فلم يجدْهُ ، فدعا بعفريتِ الطير النِّسْر ، فسألَهُ عن الهدهدِ ، فقال: ما أدري أينَ ذهبَ ، فغَضِبَ سليمانُ عند ذلك ، وقالَ { لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ } أي بحجَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت