فهرس الكتاب

الصفحة 1140 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } ؛ معناهُ: إن عِدَّة الشُّهور التي تتعلَّقُ بها الأحكامُ من الحجِّ والعُمرة والزكاةِ والأعياد وغيرها اثنَا شهرًا على منازِل العُمرة ، تارةً يكون الحجُّ الصومُ في الشِّتاء ، وتارةًّ في الصيفِ على اعتبار الأهِلَّة. وقوله تعالى: { فِي كِتَابِ اللَّهِ } يعني اللَّوحَ المحفوظَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } إنَّما قال ذلِكَ ؛ لأن اللهَ تعالى أجرَى الشمسَ والقمر في السَّموات يوم خلَقَ السمواتِ والأرض.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } ؛ واحدٌ فَرْدٌ وهو رجَبْ وثلاثةُ سُرْدٌ متتابعةٌ ، وهي ذو القعدة وذو الحجَّة والمحرَّّم ، سماها حُرُمًا لعِظَمِ انتهاكِ حُرْمَتها ، كما خُصَّ الْحَرَمُ بمثلِ ذلك ، كنت العربُ تُعظِّمُها وتحرِّمُ القتالَ فيها حتى أن الرجلَ لو لَقِيَ قاتل أبيهِ أو أخيه فيها لم يُهجِْهُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } ؛ أي في أشهرِ الْحُرُمِ بالعملِ بالمعصية وتركِ الطاعة. وَقِيْلَ: باستحلال القتلِ والغَارَةِ. وَقِِيْلَ: معناهُ: ولا تجعلوا حَلاَلها حَرامً ، ولا حرَامها حَلاَلًا ، والذنبُ والظلم فيهن أعظمُ من الظلم فيما سواهنَّ. ويقالُ: معناه: فلا تظلِمُوا في الاثني عشرِ الشهر أنُفسَكم. قَوْلُهُ تَعَالَى: { ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } أي ذلك الحسابُ المستقيم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً } ويجوزُ أن يكون الكافَّة راجعةً إلى المسلمينَ ؛ أي قاتِلُوا جميعًا ، قَوْلُهُ تَعَالَى: { كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً } أي كما يُقاتِلونَكم أي جمعيًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } ؛ أي معهم بالنُّصرة.

واختلفَ العلماءُ في حُرمةِ القتالِ في الأشهُرِ الْحُرُمِ ، فقالَ بعضُهم: لا يجوزُ القتال فيها والغارةُ لأن اللهَ سَمَّاها حُرُمًا فيكون قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً } دَليلًا على جواز القتال فيها على وجهِ الدَّفع.

وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابهُ إلى أن القتالَ فيها جائزٌ ، والمرادُ بقوله: { مِنْهَآ أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } تعظيمُ انتهاكِ حُرمَتِها بالظلمِ والفساد فيها ، وتعظيمُ ثواب الطاعة التي يفعلُ فيها. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً } يدلُّ على أنَّ اللهَ أخرجَ هذه الأشهرَ الحرم من أن تكون حُرمًا.

وفي باب الجهادِ دليلًا تقديرًا آخر أن أحدَ الجهاد داخلٌ تحت قوله: { فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ } وكان اللهُ تعالى مَيَّزَ الجهادَ من الظلمِ الذي هو إقدامٌ على النُّفوس والأموالِ ، وقوله تعالى: { كَآفَّةً } منصوبٌ على الحالِ.

قال قتادةُ وعطاء: (كَانَ الْقِتَالُ كَثِ]رًا فِي الأشْهُرِ الْحُرُمِ ، ثُمَّ نُسِخَ وَأحِلَّ فِيْهِ بقَوْلِهِ: { وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً } يَِعْنِي فِيْهنَّ وَفِي غَيْرِهِنَّ) . وقال الزهريُّ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحَرِّمُ الْقِتَالَ فِي الأَشْهُرِ الْحُرُمِ ، مِمَّا أنْزَلَ اللهُ مِنْ تَحْرِيمِ ذلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ بَرَاءَةُ ، وَأحِلَّ قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ) .

وقال سفيانُ الثوريُّ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْقِتَالِ فِي الأَشْهُرِ الْحُرُمِ ، قَالَ: (لاَ بَأْسَ بالْقِتالِ فِيهِنَّ وَفِي غَيْرِهِنَّ ؛ لأََّ النّبيِّ صلى الله عليه وسلم غَزَا هَوَازنَ وَحُنَيْيًا وَثقِيفًا بالطَّائِفِ وَحَاصَرَهُمْ فِي الشَّوَّالِ وَبَعْضِ ذِي الْقِعْدَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أنَّ حُرْمَةَ الْقِتَالِ فِيْهَا مَنْسُوخٌ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت