فهرس الكتاب

الصفحة 252 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { لِلْفُقَرَآءِ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ } ؛ قيل: معناهُ: ما أنفقتُم من نفقةٍ للفقراء ، وقيل: معناهُ: عليكم بالنفقةِ للفقراءِ الذين حُبسُوا في طاعةِ اللهِ ؛ أي أحْصَرَهُمْ فرضُ الجهادِ فمنعَهم من التصرُّفِ والسيرِ لطلب المعاشِ ، وهؤلاء أصحابُ الصُّفَّةِ حَبَسُوا أنفسَهم لطلب العلمِ ؛ وفضل الجمعة ؛ وخدمةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من أربعمائةِ رجلٍ لم يكن لهم مساكنُ ولا عشائرُ ؛ كانوا معتكفينَ في المسجدِ في صُفَّته ؛ قالوا: نخرجُ في كلِّ سَرِيَّةٍ يبعثُها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في سبيلِ الله ، فحثَّ اللهُ على الصدقةِ عليهم ، فكان الرجلُ إذا بقيَ عنده فضلٌ أتاهم به.

وقوله تعالى: { لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ } الضربُ في اللغة: السَّيْرُ ، يعني لا يستطيعون سَيْرًا في الأرضِ للتجارة وطلب المعيشة ، ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ } [النساء: 101] وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ } [المزمل: 20] . وقالَ الشاعرُ: لَحِفْظُ الْمَالِ أيْسَرُ مِنْ فَنَائِهِ وَضَرْبٌ فِي الْبِلاَدِ بغَيْرِ زَادِوقال ابنُ زيد: (مِنْ كَثْرَةِ مَا جَاهَدُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ ، فَصَارَتِ الأَرْضُ كُلُّهَا حَرْبًا عَلَيْهِمْ ؛ لاَ يَتَوَجَّهُونَ فِيْهَا جِهَةً إلاَّ وَلَهُمْ فِيْهَا عَدُوٌّ) . وكان السديُّ يقول: (مَعْنَى { أُحصِرُواْ } أيْ مَنَعَهُمُ الْكُفَّارُ بالْخَوْفِ مِنْهُمْ ؛ فَلاَ يَسْتَطِيْعُونَ تَفَرُّقًا فِي الأَرْضِ لِمَنْعِ الْكُفَّار إيَّاهُمْ عَنْ ذَلِكَ) . وقيلَ: هذا لا يصحُّ ؛ لأنه لو كان كذلكَ لقال: حُصِروا ، بغير ألِفٍ.

وقال سعيدُ بن جبير: (هَؤُلاَءِ قَوْمٌ أصَابَتْهُمُ جِرَاحَاتٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؛ فَصَارُواْ زُمَنًا وَأحْصَرَهُمُ الْمَرَضُ وَالزَّمَانَةُ عَنِ الضَّرْبِ فِي الأَرْضِ) . فاختارَ الكسائيُّ هذا القولَ لأنه يقال: أُحْصِرُواْ من المرضِ والزَّمَانَةِ عن الضرب في الأرض ، ولو أراد الحبسَ قال: حُصِرُواْ ، وإنَّما الإحصارُ من الخوفِ أو المرضِ ، والحَصْرُ: الحبسُ في غيرهما.

قَوْلُُهُ تَعَالَى: { يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ } قرأ الحسنُ وأبو جعفر وشيبة وابنُ عامر والأعمشُ وعاصم وحمزةُ: (يَحْسَبُهُمْ) بفتحِ السينِ في جميع القرآن ، والباقون بالكسرِ.

ومعنى الآية: يظنُّهم الجاهلُ بأمرِهم وشأنِهم أغنياءَ من التعفُّفِ عن السؤالِ ؛ لِتَجَمُّلِهِمْ باللباسِ وكَفِّهِم عن المسألةِ. والتعفُّفُ يُذْكَرُ ويراد به تَرْكَ المسألةِ كما قالَ صلى الله عليه وسلم:"مَنِ اسْتَغْنَى أغْنَاهُ اللهُ تَعَالَى ، وَمَنِ اسْتَعَفَّ أعَفَّهُ اللهُ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: { تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ } ؛ أي تعرفهم أنتَ يا محمدُ بعلامةِ فقرهم ورَثَاثَةِ حالِهم. وقيلَ: بتخشُّعهم وتواضُعِهم. وقيلَ: بصفرة ألوانِهم من الجوعِ وقيامِ الليل وصيامِ النهار. وقيلَ: بفَرَحِهِمْ واستقامةِ حالِهم عند تواردِ البلاءِ عليهم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا } ؛ قال عطاءُ: (إذَا كَانَ عِنْدَهُ غَدَاءٌ لاَ يَسْأَلُ عَشَاءً ، وَإنْ كَانَ عِنْدَهُ عَشَاءٌ لاَ يَسْأَلُ غَدَاءً) . وقال أهلُ المعاني: { لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا } ولا غيرَ إلحافٍ ؛ أي ليس لهم سؤالٌ فيكون إلحافًا ، والإلْحَافُ: الإلْحَاحُ ، دليلُ هذا القولِ قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ } أي من القناعةِ ، ولو كانوا يسألونَ لكان يعرفُهم بالسؤالِ لا بالسيماءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت