فهرس الكتاب

الصفحة 2403 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَعَادًا وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ } ؛ أي أهلَكْنا عَادًا وثَمودًا وأصحابَ الرِّسِّ. قال قتادةُ: (الرَّسُّ بئْرٌ بالْيَمَامَةِ) ، قال السديُّ: (بَأَنْطَاكِيَّةَ وَنَبيُّهُمْ حَنْظَلَةُ) ، وإنَّما سُمُّوا أصحابَ الرَّسِّ ؛ لأنَّهم قَتلُوا نَبيَّهُمْ ورَسُّوهُ في تلكَ البئرِ ، والرَّسُّ واحدٌ. وقال مقاتلُ والسدي: (هُمْ أصْحًابُ الرَّسِّ ، وَالرَّسُّ بئْرٌ ، فَقَتَلُوا فِيْهَا حَبيْبَ النَّجَّارِ فَنَسَبَهُمْ إلَيْهَا ، وَهُمُ الَّذِيْنَ ذكَرَهُمْ فِي سُورَةِ يس) . وَقِيْلَ: هم أصحابُ الأُخْدُودِ فِي قَوْمٌ رَسُّوا لِنَبيِّهِمْ) أي دَسُّوهُ في البئرِ.

رُوي أن رَجُلًا سألَ عليَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ أخبرْنِي عن أصحاب الرَّسِّ ، أينَ كانت منازلُهم ، وبماذا أُهلِكُوا ، ومَن نبيُّهم ، فإنِّي أجدُ في كتاب الله ذِكْرَهم ، ولا أجدُ خَبَرَهم ؟ فقال عليُّ رضي الله عنه: (لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ حَدِيْثٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أحَدٌ قَبْلَكَ ، وَلاَ يُحَدِّثُكَ بهِ أحَدٌ بَعْدِي ، وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِمْ أنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا يَعْبُدُونَ شَجَرَةَ صُنَوْبَرٍ ، كَانَ غَرَسَهَا يَافِثُ بْنُ نُوحٍ عَلَى شَفِيْرِ عَيْنٍ جَاريَةٍ ، وَإنَّمَا سُمَّواْ أصْحَابَ الرَّسِّ ؛ لأنَّهُمْ رَسُّوا نَبيَّهُمْ فِي الأَرْضِ ، وَذلِكَ أنَّهُ قِيْلَ لِسُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُد ، وَكَانُوا إثْنَا عَشَرَ قَرْيَةً عَلَى شَاطِئ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ الرَّسُّ مِنْ بلاَدِ الْمَشْرِقِ ، وَكَانَ مَلِكُهُمْ يُسَمَّى تَرْكُولُ بْنُ عَامُورَ بْنِ يَاويْسَ بْنِ شَارب بْنِ نَمْرُودَ بْنِ كَنْعَانَ ، وَكَانَ أعْظَمُ مَدَائِنِهِمْ سِنْدِبَادُ بهَا الْعَيْنُ ، وَالصُّنَوبَرَةُ وهِيَ شَجَرَةٌ عَظِيْمَةٌ.

وَكَانُوا قَدْ حَرَّمُوا مَاءَ الْعَيْنِ وَهِيَ غَزِيْرَةُ الْمَاءِ ، فَلاَ يَشْرَبُونَ مِنْهَا ، وَلاَ يَسْقُونَ أنْعَامَهُمْ ، وَمَنْ فَعَلَ ذلِكَ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ ، وَيَقُولُونَ: هِيَ حَيَاةُ آلِهَتِنَا! فَلاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ أنْ يَنْقُصَ مِنْ حَيَاتِهَا. وَقَدْ جَعَلُواْ فِي كُلِّ شَهْرٍ عِيْدًا يَجْتَمِعُ إلَيْهِ أهْلُ كُلِّ قَرْيَةٍ ، وَيَضْرِبُونَ عَلَى الشَّجَرَةِ ثِيَابًا مِنْ حَرِيْرٍ فِيْهَا مِنْ أنْوَاعِ الصُّوَرِ ، ثُمَّ يَأْتُوا بشِيَاهٍ وَبَقَرٍ فَيَذْبَحُونَهَا قُرْبَانًا لِلشَّجَرَةِ ، ثُمَّ يُوقِدُونَ النَّارَ وَيَشْوُونَ اللَّحْمَ ، فَإذا انْقَطَعَ الدُّخَّانُ وَالنَّارُ خَرُّوا سُجَّدًا لِلشَّجَرَةِ يَبْكُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ إلَيْهَا أنْ تَرْضَى عَنْهُمْ.

وَكَانَ الشَّيْطَانُ يَجِيْءُ فَيُحَرِّكَ أغْصَانَهَا وَيَصِيْحُ فِي سَاقِهَا: إنِّي قَدْ رَضِيْتُ عَنْكُمْ عِبَادِي ، فَطِيْبُوا نَفَسًا وَقَرُّوا عَيْنًا ، فَعِنْدَ ذلِكَ يَرْفُعُونَ رُؤُوسَهُمْ مِنَ السُّجُودِ وَيَضْرِبُونَ الدُّفُوفَ وَيَشْرَبُونَ الْخُمُورَ.

فَلَمَّا طَالَ كُفْرُهُمْ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا ، فَلَبثَ فِيْهِمْ زَمَانًا طَوِيْلًا يَدْعُوهُمْ إلَى عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى ، فَلَمَّا رَأى تَمَادِيْهِمْ فِي الْغَيِّ والضَّلاَلِ قَالَ: يَا رَب إنَّ عِبَادَكَ أبَوا وَكَذبُواْ وَعَبَدُواْ شَجَرَةً لاَ تَنْفَعُ وَلاَ تَضُرُّ ، فَأَيْبسْ شَجَرَتَهُمْ يَا رَب ، فَأَصْبَحواْ وَقَدْ يَبسَتْ شَجَرَتَهُمْ فَهَالَهُمْ ذلِكَ ، وَقَالُواْ: إنَّ هَذا أيْبَسَ شَجَرَتَكُمْ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ غَضِبَتْ آلِهَتُكُمْ حِيْنَ رَأتْ هَذا الرَّجُلَ يَعِيبَهَا وَيَدْعُوهُمْ إلَى عِبَادَةِ غَيْرِهَا ، فَحَيَتْ وَغَضِبَتْ لِكَيْ تَغْضَبُواْ لِغَضَبهَا وَتَنْصُرُونَهَا. فَاجْتَمَعَ رَأيُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ ، فَطَرَحُوهُ فِي بئْرٍ ضَيِّقَةِ الْمَدْخَلِ عَمِيْقَةِ الْقَعْرِ ، وَجَعَلُواْ عَلَى رَأسِهَا صَخْرَةً عَظِيْمَةَ ، وَقَالُواْ: إنَّمَا غَرَضُنَا أنْ تَرْضَى بنَا آلِهَتُنَا إذا رَأتْ أنْ قَدْ قَتَلْنَا مَنْ كَانَ يَعِيْبُهَا وَدَفَنَّاهُ بحُكْمِ كَرْبي ، فَارْحَمْ ضَعْفِي وَقِلَّةَ حِيْلَتِي وَعَجِّلْ قَبْضَ رُوحِي ، وَلاَ تُؤَخِّرْ إجَابَةَ دَعْوَتِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت