فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَـابَكُمْ غَمًًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـابَكُمْ } ؛ راجعٌ إلى قولهِ { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } [آل عمران: 152] لأنَّ عفوَه عنهم لا بُدَّ أن يتعلَّقَ بذنبٍ منهم ؛ وذلك الذنبُ ما بيَّنهُ بقولهِ { إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ } أي ولقد عَفَا عنكُم { إِذْ تُصْعِدُونَ } أي إذ تُبْعَدُونَ هَرَبًا في الأرضِ بالْهَزِيْمَةِ. والإصْعَادُ: السَّيْرُ فِي مُسْتَوَى الأَرْضِ.

وقرأ الحسنُ وقتادة: (تَصْعَدُونَ) بفتحِ التاء والعين. قال أبو حاتِمٍ: يقالُ: أصْعَدْتُ ؛ إذا مَضَيْتُ حِيَالَ وَجْهِكَ ، وَصَعَدْتُ ؛ إذا رَقِيْتُ عَلَى جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِ. والإصْعَادُ: السَّيْرُ فِي مُسْتَوَى الأَرْضِ وَبُطُونِ الأوديةِ والشِّعاب. والصُّعُودُ: الارتفاعُ على الجبلِ والسُّطوح والسَّلالم والمدرَجِ ، وكِلاَ القراءتين صوابٌ. وقد كان يومئذٍ منهم صَاعِدٌ مُصْعِدٌ ؛ أي صاعدٌ إلى الجبلِ ، ومُصْعِدٌ هَاربٌ على وجههِ ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوهُمْ:"إلَيَّ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِيْنَ ؛ وَيَا أصْحَابَ الْبَقَرَةِ وَآلَ عِمْرَانَ أَنَا رَسُولُ اللهِ"فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ مِنْهُمْ أحَدٌ حَتَّى أتَوا عَلَى الْجَبَلِ. ويحتملُ أنَّهم ذهبُوا في بَطْنِ الوادِي أوَّلًا ؛ ثُمَّ صَعَدُوا الجبلَ ، فَلا تَنَافِيَ حينئذٍ بين القرائَتين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ } أي لا تُعَرِّجُونَ ولا تُقِيْمُونَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فلا يقيمُ بعضُكم على بعضٍ ولا يَلْتَفِتُ بعضكم إلى بعضٍ. وقرأ الحسن: (وَلاَ تَلُونَ) بواوٍ واحدة ، كما يقالُ: اسْتَحَيْتُ وَاسْتَحْيَيْتُ. قال الكلبيُّ: (يَعْنِي بقَوْلِهٍ(عَلَى أحَدٍ) النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم). قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ } أي مِن خلفِكم ، وذلكَ أنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ الْْمُسْلِمُونَ لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلاَّ ثَلاثَة عَشَرَ رَجُلًا ، خَمْسَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ: أبُو بَكْرٍِ ؛ وَعَلِيٌّ ؛ وَعَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ؛ وَطَلْحَةُ بْنُ عَبْدِاللهِ ؛ وَسَعْدٌ ، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الأنْصَارِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَأَثَـابَكُمْ غَمًًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَآ أَصَـابَكُمْ } أي جزاكم غَمًّا مُتَّصلًا بغمٍّ ؛ فَأحدُ الغمَّين الْهَزِيْمَةُ وَقَتْلُ أصحابهم ، والثَّانِي: إشْرَافُ خالدٍ في فَمِ الشِّعْب مع خَيْلِ المشركينَ. وقيل: الغمُّ الأوَّلُ هو القتلُ والجراحُ ، والثانِي: سَمَاعُهم بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قُتِلَ ؛ فأساءَهم الغمُّ الأوَّل بقولهِ { لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ } أي إذْ أنالَكُم غمَّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم نِلْتُمْ بهِ كل غمٍّ من فَوْتِ الغنيمةِ والْهَزِيْمَةِ. وقيل: معناهُ: مَن تَرَادَفَتْ عليه الغمُومُ واعتادَ في ذلك يقلُّ حُزْنُهُ وتأسُّفه على ما يفوتُه من الدُّنيا.

وقال الزجَّاج: (مَعْنَى قَوْلِهِ { غَمًًّا بِغَمٍّ } أي جَزَاكُمْ غَمًّا بمَا غَمَمْتُمْ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بمُفارَقَةِ الْمَكَانِ الَذِي أمَرَكُمْ بحفْظِهِ) . وقال الحسنُ: (مَعْنَى هَذا الغَمِّ بغَمِّ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍٍ) . ويقالُُ: { لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ } متَّصِلٌ بقولهِ { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } [آل عمران: 152] ، وقيلَ: معناهُ: { لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ } بمعنى الغنيمةِ والفَتحِ. { لاَ مَآ أَصَـابَكُمْ } : (مَا) في موضعِ خَفْضٍ ؛ أي وَلاَ مَا أصَابَكُمْ مِن القتلِ والْهَزِيْمَةِ. وقال بعضُهم: (لاَ) زائدةٌ ؛ معناهُ: لِكَي تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَمَا أصَابَكُمْ ؛ عقوبةً لكم فِي خِلافكم وتَرْكِكُمْ الْمَرْكَزَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ؛ أي عالِمٌ بأعمالِكم من إغْتِمَامِ المسلمينَ وشَمَاتَةِ المنافقينَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت