فهرس الكتاب

الصفحة 845 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } ؛ أولُ هذه الآية راجعٌ إلى ما قبلِها ، كأنهُ قال: افْتِرَاءً عَلَى اللهِ وَهُوَ الَّذِي أنْشَأَ جَنَِّاتٍ ؛ أي هو الذي خَلَقَ بساتينَ مَعْرُوشَاتٍ ؛ وهي الكُرُومُ رَفَعَ بَعْضَ أغصانِها على بعضٍ ، { وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } وهي الشَّجَرُ والزَّرْعُ وكلُّ ما لا يرتفعُ بعضُه على بعضٍ ، هكذا رُويَ عنِ ابنِ عبَّاس والحسنِ.

ويقالُ: معنى { مَّعْرُوشَاتٍ } ما لا يرفع له حيطان ، { وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } ما لا يجعلُ له حائطٌ ، وَقيلَ: { مَّعْرُوشَاتٍ } ما انْبَسَطَ على الأرضِ وأنبتَ مما يُغْرَسُ مثلِ الكَرْمِ والقَرْعِ والبطِّيخِ وشَبَهِهَا ، { وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } ما قامَ على سَاقٍ فطالَ مثلَ النَّخْلِ والزَّرْعِ وسائرِ الأشجار. وقال الضَّحاكُ: { مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } الكَرْمُ خَاصَّةً ؛ مِنْهَا مَا غُرِسَ ؛ وَمِنْهَا مَا لَمْ يُغْرَسُ). وروي عنِ ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أيضًا: (أنَّ الـ { مَّعْرُوشَاتٍ } ما نَبَتَهُ النَّاسُ ، { وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } مَا أُخِذ مِنْ الْبَرَاري وَالْجِبَالِ مِنَ الثِّمَار) . يدلُّ عليه قراءة علي رضي الله عنه (مَغْرُوساتٍ وغَيْرَ مَغْرُوسَاتٍ) بالغين والسين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } ؛ معناهُ: وأنشأَ النخلَ الزرعَ ، وهذا تخصيصُ بعضِ ما دخلَ في عمومِ الأوَّل ؛ لكونِهما أعمُّ نفعًا من جملةِ ما يكونُ في البساتين. وقَوْلُهُ تَعَالَى: { مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } أي مُخْتَلِفًا جملةً من الألوان كلِّها ، ومختلفٌ في الطَّعْمِ من الْحُلْوِ والحامضِ والْمُرِّ ؛ والجيِّدِ والرَّديءِ. ونُصِبَ { مُخْتَلِفًا } على الحال ؛ أي أنشأهُ في حالِ اختلاف أكُلِهِ. وقد يقالُ: ارتفعَ { أُكُلُهُ } بالابتداءِ { مُخْتَلِفًا } نَعْتُهُ ، إلا أنه لَمَّا تقدَّمَ النعتُ على الاسمِ نُصِبَ ، كما يقالُ: عندي طَبَّاخًا غُلامٌ قال الشاعرُ: الشَِّرُّ مُسْتَتِرٌ يَلْقَاكَ عَنْ غُرُضٍ وَالصَّالِحَاتُ عَلَيْهَا مُغْلَقًا بَابُقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ } ؛ أي وأنْشَأَ شجرَ الزَّيْتونِ والرُّمَّانِ ، { مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } ؛ أي منها ما هو متشابهٌ ؛ ومنها ما هو غيرُ متشابهٌ ؛ ومنها ما هو غيرُ متشابهٍ. وَقِيْلَ: { مُتَشَابِهًا } بالنَّظَرِ { وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ } في الطَّعمِ ؛ نحوُ: كالرُّمَّانَتَيْنِ لونُهما واحدٌ ؛ وطعمُهما مختلفٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ } ؛ هذا أمرُ إباحةٍ لا أمرُ إيجابٍ ، والفائدةُ في قولهِ تعالى: { إِذَآ أَثْمَرَ } إباحةُ الأكلِ من قَبْلِ إخراجِ الحقِّ الذي وَجَبَ فيه شائعًا للمساكينِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } ؛ أي أعْطُوا حقَّ اللهِ تعالى يَوْمَ يُحْصَدُ ، أرادُوا العُشْرَ فيما سَقَتْهُ السَّماءُ ، ونِصْفَ الْعُشْرِ فيما سُقِيَ بغرب ودَالِيَةٍ. قال ابنُ عبَّاس والحسنُ وقال ابنُ عمر رضي الله عنه: ( { وَآتُواْ حَقَّهُ } مَا يَتَطَوَّعُ بهِ الإِنْسَانُ عِنْدَ رَفْعِ الْغُلَّةِ وَالتَّصَدُّقُ بهِ) .

قال مجاهدُ: (إذا حَصَدْتَ فَحَضَرَكَ الْمَسَاكِيْنُ ، فَاطْرَحْ لَهُمْ مِنْهُ ، وَإذا دَرَسْتَهُ وَذرَّيْتَهُ فَاطْرَحْ لَهُمْ مِنْهُ ، فَإذا عَرَفْتَ كَيْلَهُ فَأَخْرِجْ زَكَاتَهُ) . قال إبراهيمُ النَّخعِيُّ: (هَذِهِ الآيَةُ مَنْسُوخَةً بالْعُشْرِ وَنِصْفِ الْعُشْرِ) . وفي قوله: { حَصَادِهِ } قراءَتان بكسرِ الحاء وفتحِها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت