قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (نَزَلَتْ فِي مِقْيَسِ بْنِ خَبَابَةَ ؛ وَجَدَ أخَاهُ قَتِيْلًا فِي بَنِي النَّجَّار ؛ فَأَتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ لَهُ ذلِكَ ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي فِهْرٍ ، وَقَالَ لَهُ:"إئْتِ بَنِي النَّجَار فَأَقْرِئْهُمْ مِنِّي السَّلاَمَ ؛ وَقُلْ لَهُمْ: رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَأَمُرُكُمْ إنْ عَلِمْتُمْ قَاتِلَ هِشَامَ أنْ تَدْفَعُوهُ إلَى مَقِيْسٍ يَقْتَصُّ مِنْهُ ، وَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا لَهُ قَاتِلًا أنْ تَدْفَعُواْ إلَيْهِ دِيَّتَهُ"فَأَبْلَغَهُمُ الْفِهْرِيُّ ذلِكَ ، فَقَالُواْ: سَمْعًا وَطَاعَةً للهِ وَلِرَسُولِهِ ؛ وَاللهِ مَا نَعْلَمُ لَهُ قَاتِلًا ؛ وَلَكِنَّا نُؤَدِّي دِيَتَهُ ، فَأَعْطَوْهُ مَائِةً مِنَ الإبلِ ، وَانْصَرَفَا رَاجِعَيْنِ نَحْوَ الْمَدِيْنَةِ وَبَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْمَدِيْنَةِ قَرِيْبٌ ، فَوَسْوَسَ الشَّيْطَانُ إلَى مِقْيَسٍ وَقَالَ لَهُ: أيُّ سَبَبٍ صَنَعْتَ بقَبُولِ دِيَّةِ أخِيْكَ فَتَكُونَ عَلَيْكَ سُبَّةٌ ، أقْتُلِ الَّذِي مَعَكَ تَكُونُ نَفْسٌ مَكَانَ نَفْسٍ وَفَضْلَ الدِيَّةِ ، فَرَمَى الْفِهْرِيَّ بصَخْرَةٍ فَشَدَخَ رَأَسَهُ فَقَتَلَهُ ، ثُمَّ رَكِبَ بَعِيْرًا مِنْهُمَا وَسَاقَ بَقِيَّتَهَا رَاجِعًا إلَى مَكَّةَ كَافِرًا ، وَجَعَلَ يَقُولُ: قَتَلْتُ بهِ فِهْرًا وَحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سُرَاةَ بَنِي النَّجَّار وَأرْبَابَ فَارعِفَأَدْرَكْتُ ثَأْري وَاضْطَجَعْتُ مُوسَّدًا وَكُنْتُ إلَى الأَوْثَانِ أوَّلَ رَاجِعِفَنَزَلَتْ هذه الآيةُ ، وَقُتل مِقيَسُ يومَ فتحِ مكَّة.
ومعناها: ومَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا في قلتهِ مُسْتَحِلاًّ لَهُ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيْهَا باستحْلالهِ لَهُ وارتدادهِ عن إسلامهِ ، { وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ } ؛ بقَتْلِهِ غيرَ قاتلِ أخيهِ ؛ { وَلَعَنَهُ } ؛ أي بَاعَدَهُ من رحمتهِ ، { وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } ؛ بجُرْأتِهِ على اللهِ بقتلِ نفسٍ بغير حقٍّ.
واختلفَ الناسُ في حُكْمِ هذه الآيةِ ، قالتِ الخوارجُ والمعتزلة: (إنَّهَا فِي الْمُؤْمِنِ إذا قَتَلَ مُؤْمِنًا ، وَهَذا الْوَعِيْدُ لاَحِقٌ بهِ) . وقالت المرجئةُ: (إنَّهَا نَزَلَتْ فِي كَافِرٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ إذا قَتَلَ مُؤْمِنًا فَإنَّهُ لاَ يُخَلَّدُ فِي النَّار) .
وقالت طائفةٌ من أصحاب الحديث: كُلُّ مُؤْمِنٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا فَهُوَ خَالِدٌ فِي النَّار غَيْرَ مُؤَبَّدٍ يُخْرَجُ بشَفَاعَةِ الشَّافِعِيْنَ ، وَزَعَمَتْ: أنَّهُ لاَ تَوْبَةَ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا.
والصحيحُ: أنَّ المؤمنَ إذا قَتَلَ مؤمنًا متعمِّدًا لا يَكْفُرُ بذلك ولا يخرجُ من الإيْمانِ ؛ إلاَّ إذا فَعَلَ ذلك مُسْتَحِلًا لهُ ، فإنْ أقِيدَ بمن قتلَه فذلك كفارةٌ له ، وإن كان تائِبًا من ذلك ولم يكن مُعَادًا كانت التوبةُ أيضًا كفَّارةً له ، فإنْ ماتَ بلا توبةٍ ولا قَوْدٍ فأمرهُ إلى الله ؛ إنْ شاءَ غفرَ لهُ وإن شاءَ عذبه على فعلهِ ثم يخرجهُ بعد ذلك إلى الجنَّةِ التي وعدَهُ بإيْمَانهِ ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يُخْلِفُ الميعادَ ، وتركُ الْمُجَازَاةِ بالوعيدِ يكونُ منه تَفَضُّلًا ، وتركُ الْمُجَازَاةِ بالوعدِ يكونُ خِلْفًا ، تعالَى اللهُ عن الخلفِ عُلُوًّا كبيرًا.
والدليلُ على أنَّ المؤمنَ لا يصيرُ بقتلهِ المؤمنَ كافرًا ، ولا خارجًا عن الإيْمان قَوْلُهُ تَعَالَى: