قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ } ؛ أي إنَّ الذين وحَّدُوا اللهََ ، { ثُمَّ اسْتَقَامُواْ } ، على الإيْمَانِ ولَم يشرِكُوا. وكان الحسنُ إذا قرأ هذه الآيةَ قال: (اللَّهُمَّ أنْتَ رَبُّنَا فَارْزُقْنَا الاسْتِقَامَةَ) .
وقال أبُو بكرٍ رضي الله عنه: (يَعْنِي ثُمَّ اسْتَقَامُواْ عَلَى أنَّ اللهَ رَبٌ لَهُمْ) ، وقال مجاهدُ: (هُمُ الَّذِيْنَ لَمْ يُشْرِكُواْ بهِ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَوْهُ) . وقال بعضُهم: يعني الاستقامةَ على أداءِ الفرائضِ ولُزومِ السُّنة. وروي عن عُمر رضي الله عنه: (اسْتَقَامُواْ للهِ بطَاعَتِهِ وَلَمْ يَرُوغُواْ رَوَغَانَ الثَّعَالِب) .
وقوله: { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ } ؛ يعني قَبْضَ أرواحِهم فتقولُ لَهم: { أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ } ؛ أي لا تَخافُوا ما أنتم وَاقِفُونَ عليه ، ولا تَحزَنُوا على الدُّنيا وأهلِها ، وتقولُ لَهم عند خُروجِهم حين يَرَونَ أهوالَ القيامةِ: { نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } ؛ تولَّينَاكم وحَفِظْنَا أعمالَكم ، ونتولاَّكم في الآخرةِ ونحفَظُكم.
وعن ثابتٍ أنه قالَ: (بَلَغَنَا أنَّ الْمُؤْمِنَ إذا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، نَظَرَ إلَى حَافِظِيْنَ قَائِمِيْنَ عَلَى رَأسِهِ يَقُولاَنِ لَهُ: لاَ تَخَفِ الْيَوْمَ وَلاَ تَحْزَنْ وَأَبْشِرْ بالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتَ تُوعَدُ) .
وقال عثمانُ رضي الله عنه في معنى قولهِ: (ثُمَّ اسْتَقَامُواْ: ثُمَّ أخْلَصُواْ الْعَمَلَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ) . وقال مجاهدُ وعكرمة: (مَعْنَاهُ: ثُمَّ اسْتَقَامُواْ عَلَى شَهَادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ حَتَّى لَحِقُوا باللهِ) .
وقال مقاتلُ: (اسْتَقَامُواْ عَلَى الْمَعْرِفَةِ ، وَلَمْ يَرْتَدُّوا ، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ) فِي ثَلاَثِ مَوَاطِن: عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَفِي الْقَبْرِ ، وَفِي وَقْتِ الْبَعْثِ: أنْ لاَ تَخَافُواْ عَلَى صَنِيعِكُمْ وَلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مُخَلِّفِيكُمْ.
وقال مجاهدُ: (أنْ لاَ تَخَافُواْ عَلَى مَا تُقْدِمُونَ عَلَيْهِ مِنْ أمْرِ الآخِرَةِ ، وَلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى خِلْفَتِكُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ وَلَدٍ وَأهْلٍ ، فَإنَّهُ سَيَخْلِفُكُمْ فِي ذلِكَ كُلِّهِ) . وقال السديُّ: (لاَ تَخَافُواْ مِنْ ذُنُوبكُمْ فَإنِّي أغْفِرُهَا لَكُمْ) .
وقال بعضُهم: معنى هذه الآيةِ: أنَّ الذين قالُوا: { رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ } بالوفاءِ على ترك الْخَنَى تَتَنَزَّلُ عليهمُ الملائكةُ بالرِّضَى: أن لا تخافُوا من الغِنَى ولا تحزنُوا على الغنَى وأبْشِرُوا بالبَقاءِ مع الذي كنتم توعدونَ من اللقاءِ. وَقِيْلَ: معناهُ: ألاَّ تَخافُوا فلا خوفٌ على أهلِ الاستقامةِ ، ولا تَحزنُوا فإن لكم أنواعَ الكرامةِ وأبشِرُوا بالجنةِ التي هي دارُ السَّلامةِ ، لا تخافُوا فعل دِينِ الله إنِ استقمتُم ، ولا تحزَنُوا ، فبحبلِ اللهِ اعتصَمتُم ، وأبْشِرُوا بالجنةِ إن تُبْتُمْ لا تخافوا ما دُمتم ولا تحزنوا فقد نِلتُمْ ما طلبتم ، وأبشِرُوا بالجنةِ التي فيها رَغِبْتم ، ولا تحزنوا فأنتم أهلُ الإيْمانِ ، ولا تحزنوا وأنتم أهلُ الغفرانِ ، وأبشِرُوا بالجنةِ التي هي دارُ الرِّضوانِ ، لا تخافوا وأنتم أهلُ الشَّهادة ، ولا تحزَنوُا فأنتم أهلُ السَّعادة ، وأبشروا بالجنةِ التي هي دارُ الزِّيادة ، لا تخافوا فأنتم أهلُ النَّوالِ ، ولا تحزنوا فأنتم أهلُ الوصالِ ، وابشروا بالجنة التي هي دارُ الحَلالِ ، لا تخافوا فقد أمنتم الثُّبُورَ ، ولا تحزنوا فإن لكم الحورَ ، وأبشروا بالجنة التي هي دار السرور ، ولا تخافوا فسعيُكم مشكورٌ ، ولا تحزنوا فذنبُكم مغفورٌ ، وابشروا بالجنة التي هي دار النور ، لا تخافوا فطَالَما كنتم خائفينَ ، ولا تحزنوا فقد كنتم عَارفين ، وأبشِرُوا بالجنة التي عَجَزَ عنها وصفُ الواصفين ، لا تخافُوا فأنتم مِن أهل الإيْمانِ ، ولا تحزنوا فأنتم من أهلِ الحرمَان ، وأبشِروا بالجنة التي هي دارُ الأمانِ.