فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا } ؛ الآيةُ ؛ وذلك أنَّهُ لَمَّا افْتَرَقَ الْفَرِيْقَانِ ؛"بَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا رضي الله عنه فِي إثْرِ الْمُشْرِكِيْنَ وَقَالَ لَهُ:"انْظُرْ ؛ فَإنْ هُمْ جَنَبُواْ الْخَيْلَ وَرَكِبُواْ الإبلَ فَهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ ، وَإنْ رَكِبُواْ الْخَيْلَ وَسَاقُواْ الإبلِ فَهُمْ يُرِيْدُونَ الْمَدِيْنَةَ". فَخَرَجَ عَلِيٌّ فِي إثْرِهِمْ فََإذا هُمْ رَكِبُواْ الإبلَ وَقَادُواْ الْخَيْلَ ، فَرَجَعَ عَلِيٌّ رضي الله عنه وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: سَمِعْتُهُمْ يَقُولونَ إنَّا قَدِ اْجتَمَعْنَا لِنُحَاربَ ثَانِيًا ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"كَذبُواْ ؛ فَإنَّهُمْ أرَادُوا الإنْصِرَافَ إلى مَكَّةَ"فَكَانَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمِنَ الْمُسْلِمُونَ ، وأَلْقَى اللهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ ؛ فَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أحَدٌ إلاَّ وَقَدْ ضَرَبَ ذقْنَهُ صَدْرَهُ ؛ إلاَّ مُعَتَّبَ بْنَ قُشَيْرٍ وَأصْحَابَهُ الَّذِيْنَ كَانُواْ يَشُكُّونَ فِي أمْرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ؛ لَمَّا عَلِمَ اللهُ مِنْ بَاطِنِهِمْ خِلاَفَ مَا عَلِمَ مِنْ بَاطِنِ الْمُؤْمِنِيْنَ مَنَعَهُمْ مَا أَعْطَى الْمُؤْمِنِينَ ؛ فَتَرَدَّدُواْ فِي الْخَوْفِ عَلَى أنْفُسِهِمْ وَسُوءِ الظَّنِّ برَبهِمْ ؛ يَئِسُواْ مِنْ نَصْرِهِ وَشَكُّوا فِي صَادِقِ وَعْدِهِ وَصَادِقِ عَهْدِهِ."

ومعنى الآية: { ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ } الذي كنتُم فيه أمْنًا. قوله: (نُعَاسًا) بدلٌ مِن (أمَنَةً) أي أمَّنَكُمْ أمَنًا تَنَامُونَ معهُ ؛ لأنَّ الْخَائِفَ لا ينامُ ، ومِن هنا قالَ ابنُ مسعود رضي الله عنه: (النُّعَاسُ فِي الصَّلاَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ ، وَفِي الْقِتَالِ مِنَ الرَّحْمَنِ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنْكُمْ } ؛ قرأ الأعمشُ وحمزة والكسائيُّ وخلفُ: (تَغْشَى) بالتاء ؛ ردُّوه إلى الأمَنَةِ ، وقرأ الباقونَ بالياءِ ؛ ردُّوه إلى النُّعاسِ ؛ لأن النعاسَ يلي الفعلَ ، فالتذكيرُ أوفَى منهُ مِمَّا بَعُدَ منهُ ، وهذا قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى } [القيامة: 37] بالياء والتَّاء ، والمراد بالطائفةِ التي غَشِيَهُمُ النُّعاسُ أهلُ الصدقِ واليقين. قال أبو طَلْحَةَ رضي الله عنه: (رَفَعْتُ رَأَسِي يَوْمَ أُحُدٍ ؛ فَجَعَلْتُ مَا أرَى أحَدًا مِنَ النَّاسِ إلاَّ وَهُوَ يَمِيلُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النُّعَاسِ) قالَ أبو طلحةَ: (كُنْتُ مِمَّنْ أنْزَلَ اللهُ عَلِيْهِ النُّعَاسَ يَوْمَئِذٍ ؛ وَكَانَ السَّيْفُ يَسْقُطُ مَنْ يَدِي ثُمَّ آخُذُهُ ؛ ثُمَّ يَسْقُطُ مَنْ يَدِي ثُمَّ آخُذُهُ) .

والمرادُ بقولهِ تعالى: { وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } ؛ المنافقونَ: مُعَتِّبُ ابْنُ قُشَيْرٍ وأصحابُه أمَرَتْهُمْ أنفسُهم وحملتْهُم على الغمِّ ، يقالُ لكلِّ مَن خَافَ وَحَزُنَ فِي غيرِ موضعِ الْحُزْنِ والخوفِ: أهَمَّتْهُ نَفْسُهُ.

قَوْلُهُ: { يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ } ؛ يعني هذه الطائفةَ التي قد أهَمَّتْهُمْ أنفسُهم ؛ يَظُنُّونَ باللهِ أنْ لا ينصرَ مُحَمَّدًا وأصحابَه ، وقيل: ظَنُّوا أنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم قد قُتِلَ ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: { ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ } أي كَظَنِّ أهلِ الجاهليَّةِ والشِّركِ ، وقيل: كَظَنِّهِمْ في الجاهليَّة ، { يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ } ؛ أي مَا لَنَا مِن الأمرِ من شيءٍ ، لفظةُ استفهامٍ ومعناها: الْجَحْدُ ؛ يعنون النَّصْرَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت