فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ } ؛ قال المفسِّرونَ: كان الرجلُ في ابتداء الأمرِ إذا أفطرَ أُحِلَّ له الطعامُ والشراب والجماعَ إلى أن يصلَِّي العشاء الأخيرة أو ترَقَّدَ قبلَها ، فإذا صلَّى العشاء ورَقَدَ قبلَ الصلاة ولَم يُفطِرْ ، حَرُمَ عليهِ الطعامُ والشرابُ والجماعُ إلى مثلِها من القَابلَةِ. ثُم"إنَّ عُمَرَ رضي الله عنه وَاقَعَ أهْلَهُ بَعْدَمَا صَلَّى الْعِشَاءَ ؛ فَلَمَّا اغْتَسَلَ أخَذَ يَبْكِي وَيَلُومُ نَفْسَهُ ، ثُمَّ أتَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ؛ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ، إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ وَإلَى اللهِ مِنْ نَفْسِي هَذِهِ الْخَاطِئَةُ ، إنِّي رَاجَعْتُ أهْلِي بَعْدَمَا صَلَّيْتُ صَلاَةَ الْعِشَاءِ الأخِيْرَةِ ؛ فَوَجَدْتُ رَائِحَةً طَيِّبَةً فَسَوَّلَتْ لِي نَفْسِي فَجَامَعْتُ أهْلِي ، فَهَلْ لِي مِنْ رُخْصَةٍ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: [مَا كُنْتَ جَدِيْرًا بذَلِكَ يَا عُمَرُ!] فَقَامَ رجَالٌ فَاعْتَرفُواْ بالَّذِي كَانُواْ صَنَعُواْ بَعْدَ الْعِشَاءِ"، فَنَزَلَتْ فِي عُمَرَ وَأصْحَابهِ { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ } أيْ أُبيْحَ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ.

قرأ ابنُ مسعود والأعمشُ: (الرُّفُوثُ) برفع الواو والفاء وبواو. والرفوثُ والرفثُ كنايةٌ عن الجِماع. قال ابنُ عباس: (إنَّ اللهَ حَييٌّ كَرِيْمٌ ؛ فَكُلُّ مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالْمُلاَمَسَةِ وَالإفْضَاءِ وَالدُّخُولِ ، فَإِنَّمَا يُرِيْدُ بهِ الْجِمَاعَ) . قال الشاعرُ: فَضَلْنَا هُنَالِكَ فِي نِعْمَةٍ وَكُلِّ اللَّذَاذَةِ غَيْرُ الرَّفَثِوقال القُتَيبيُّ: (الرَّفَثُ هُوَ الإفْصَاحُ عَمَّا تُحِبُّ أنْ يُكْنَى بهِ عَنْ ذِكْرِ النِّكَاحِ ؛ وَأصْلُهُ الْفُحْشُ وَالْقَوْلُ الْقَبيْحُ) . وقال الزجَّاجُ: (الرَّفَثُ كُلَّ كَلِمَةٍ جَامِعَةٍ لِكُلِّ مَا يُرِيْدُهُ الرِّجَالُ مِنَ النِّسَاءِ) .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } ؛ أي هن سَكَنٌ لكم وأنتم سَكَنٌ لَهن ؛ قالَهُ أكثرُ المفسِّرين. ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَجَعَلْنَا الَّيلَ لِبَاسًا } [النبأ: 10] أي سَكَنًا ، ودليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } [الأعراف: 189] .

وقال أهلُ المعانِي: اللِّبَاسُ: الشِّعَارُ الذي يلي الجلدَ من الثياب ؛ فسمي كل واحدٍ من الزَّوجَين لِبَاسًا ؛ لتجردُّهما عند النومِ واجتماعهما في ثوبٍ واحدٍ ؛ وانضمامِ جسدٍ كلِّ واحد منهما إلى جسد صاحبه ، حتى يصيرَ كلُّ واحد منهما لصاحبهِ كالثَّوب الذي يلبسهُ. وقال بعضُهم: يقال: لِمَا سترَ الشيءَ وواراهُ لباسًا ، فجازَ أن يكون كلُّ واحد منهما لصاحبه سِترًا عما لا يحل ، كما روي في الخبر"مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ أحْرَزَ نِصْفَ دِيْنِهِ".

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ } ؛ أي عَلِمَ اللهُ أنكم كنتم تَظْلِمُونَ أنفُسَكم بمعصيتكم وجِماعِكم بعد العشاءِ الأخيرة في ليالِي الصَّومِ فتجاوزَ عنكم ولَم يعاقِبْكم على ذلك وعفَا عنكم ذنُوبَكم. قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ } ؛ أي جامِعُوهن في ليالِي الصومِ فهو حلالٌ لكم. سُميت الْمُجَامَعَةُ مباشرةً ؛ لتلاصُقِ بَشَرَةِ كلِّ واحد منهما لصاحبهِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت