فهرس الكتاب

الصفحة 414 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } ؛ قال ابنُ عبَّاس وابنُ مسعودٍ وجابرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لَمَّا أُصِيْبَ إخْوَانُكُمْ يَوْمَ أحُدٍ ؛ جَعَلَ اللهُ أرْوَاحَهُمْ فِي أجْوَافِ طُيُور خُضْرٍ تَرِدُ أنْهَارَ الْجَنَّةِ ؛ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارهَا ؛ وَتَأْوي إلَى قَنَادِيْلَ مِنْ ذهَبٍ تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَلَمَّا رَأواْ طِيْبَ مَنْقَلِهِمْ وَمَطْعَمِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ ، وَمَا أعْطَى اللهُ مِنَ الْكَرَامَةِ ؛ قَالُواْ: يَا لَيْتَ إخْوَانِنَا عَلِمُواْ مَا أعَدَّ اللهُ لَنَا مِنَ الْكَرَامَةِ ، وَمَا نَحْنُ فِيْهِ مِنَ النَّعِيْمِ ، فَلَمْ يَنْكِلُواْ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَمْ يَجْبَنُواْ فِي الْحَرْب ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أنَا أبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ ؛ فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ"

"وقال جابرُ بن عبدِالله الأنصاريِّ: قُتِلَ أبي يَوْمَ أحُدٍ وَتَرَكَ عَلَيَّ ثَلاَثَ بَنَاتٍ ؛ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"ألاَ أُبَشِّرُكَ يَا جَابرُ؟!"قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ:"إنَّ أبَاكَ حِيْنَ قُتِلَ أحْيَاهُ اللهُ تَعَالَى وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا ؛ فَقَالَ: يَا عَبْدَاللهِ ؛ سَلْنِي مَا شِئْتَ ، قَالَ: أسْأَلُكَ أنْ تُعِيْدَنِي إلَى الدُّنْيَا فأُقْتَلَ فِيْهَا ثَانِيةً ، فَقَالَ: يَا عَبْدَاللهِ ؛ إنِّي قَضَيْتُ أنْ لاَ أعِيْدَ إلَى الدُّنْيَا خَلِيْقَةً قَبَضْتُهَا ، قَالَ: يَا رَب فَمَنْ يُبْلِّغُ قَوْمِي مَا أنَا فِيْهِ مِنَ الْكَرَامَةِ ؟ قَالَ اللهُ: أنَا ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ"."

ومعنَى الآيةِ: وَلاَ تَظُنَّنَّ يا مُحَمَّدُ الشهداءَ المقتولينَ في طاعةِ الله. { أَمْوَاتًا } نُصِبَ على المفعولِ ؛ لأن الْحُسْبَانَ يتعدَّى إلى مفعولينِ ، { بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } الجنَّة ، سَمَّاهُمْ أحياءً ؛ لأنَّهم يأكلونَ ويتمتَّعون ويُرزقون كالأحياءِ. وقيل: سَمَّاهُمْ أحياءً ؛ لأنَّهم يُكتب لَهم في كلِّ سنةٍ ثوابَ غَزْوَةٍ ، ويُشْرَكُونَ في فضلِ كلِّ جهادٍ إلى يومِ القيامة. وقيل: لأنَّ أرواحَهم تركعُ وتسجدُ كلَّ ليلةٍ تحتَ العرشِ إلى يومِ القيامة كأرواحِ الأحيَاء. وقيل: لأنَّ الشهيدَ لاَ يَبْلَى في الأرضِ ولا يتغيَّرُ في القبرِ. ويقالُ: أرْبَعَةُ لاَ تَبْلَى أجْسَادُهُمْ: الأَنْبيَاءُ ؛ وَالْعُلَمَاءُ ؛ وَالشُّهَدَاءُ ؛ وَحَمَلَةُ الْقُرْآنِ.

وعن عبدِالله بنِ عبدِالرَّحمن: (أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ عَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ ، وَعَبْدَاللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَرَامِ الأَنْصَاريَّيْنِ كَانَا قَدْ أخْرَبَ السَّيْلُ قَبْرَيْهِمَا وَكَانَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ ؛ وَهُمَا مِمَّنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَكَانَ قَبْرَهُمَا مِمَّا يَلِي السَّيْلَ ، فَوُجِدَا فِي قَبْرِهِمَا لَمْ يَتَغَيَّرَا كَأَنَّمَا مَاتَا بالأَمْسِ ، وَكَانَ بَيْنَ أحُدٍ وَبَيْنَ خَرَاب السَّيْلِ سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً) .

وقيل: سموا أحياءً ؛ لأنَّهم لم يُغَسَّلُواْ كما تُغَسَّلُ الأحياءُ. قال صلى الله عليه وسلم:"زَمِّلُوهُمْ بدِمَائِهِمْ وَكُلُومِهِمْ ؛ فَإنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بدِمَائِهِمْ ؛ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ ؛ وَالرِّيْحُ ريْحُ الْمِسْكِ"قرأ الحسنُ وابن عامر (قُتِّلُوا) بالتشديدِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت