قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ } ؛ تقديرُ هذه الآية مع ما قبلَها: لا يُعْجِبُكَ يا مُحَمَّدُ تقلُّبُ أولئكَ الكفار في نعيمِ الدُّنيا ، بل ما أعْطِيَ المتَّقونَ فِي الآخرةِ أفضلُ ، فإنَّ { الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ } أي وَحَّدُوهُ وأطاعوهُ { لَهُمْ جَنَّاتٌ } أي بساتينُ تجري من تحتِ أشجارها ومساكنها الأنْهارُ مُقِيْمِيْنَ فيها.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { نُزُلًا } أي رزْقًا وثَوَابًا لَهم ، وهذا نُصِبَ على التفسيرِ ؛ كما يقالُ للشيء: هِبَةٌ أو صَدَقَةٌ. ويجوزُ أن يكونَ نصبًا على المصدر على معنى: انْزلُوا نُزُلًا ، والنُّزُلُ: ما يُهَيَّأُ للنَّازلِ من كرامةِ وبرٍّ وطعامٍ وشرابٍ ومَنظر حَسَنٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَكِنِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ } ؛ أي مِن عندِ الله من الجزاءِ والثَّواب خيرٌ للصالحين من مَا لَهُمْ في الدُّنيا. قرأ أبو جعفر: (لَكِنَّ الَّذِيْنَ) بالتشديد. وقرأ الحسنُ والنخعيُّ: (نُزْلًا) ساكنة الزَّاي.
روَى أنسُ بن مالكٍ قَالَ:"دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى سَرِيْرٍ ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وسَادَةٌ مِنْ أدَمٍ وَحَشْوُهَا لِيْفٌ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ رضي الله عنه فَانْحَرَفَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم انْحِرَافَةً ؛ فَرَأى عُمَرُ أثَرَ الشَّرَيْطِ فِي جَنْبهِ فَبَكَى ، فَقَالَ لَهُ:"مَا يُبْكِيْكَ يا عُمَرُ ؟"فَقَالَ: وَمَا لِي لاَ أبْكِي يَا رَسُولَ اللهِ! وَكِسْرَى وَقَيْصَرَ يَعِيْشَانِ فِيْمَا يَعِيْشَانِ فِيْهِ مِنَ الدُّنْيَا ، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّذِي أرَى ، فَقَالَ:"يَا عُمَرُ! أمَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ ؟"فَقَالَ: بَلَى ، قَالَ:"هُوَ كَذَلِكَ"."