فهرس الكتاب

الصفحة 2202 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ } ؛ جمع بَدَنَةٍ وهي الناقةُ والبقرة ، والبَدَانَةُ الضخامةُ ، والمعنى: والإبلَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ من أعْلاَمِ دِيْنِ اللهِ ؛ أي جعلناها لكم فيها عبادةٌ لله من سَوْقِهَا إلى البيتِ وتقلِيدِها وإشعارِها ونَحرِها والإطعامِ منها ، قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } ؛ يعني النفعَ في الدُّنيا والآخرة.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ } ؛ أي عند نَحرها ، وصَوَافَّ جمعُ الصَّافَّةِ وهي القائمةُ على ثلاثِ قوائم قد عُقلت ، وكذا السُّنة في الإبلِ ، ومعنى الآية: فَاذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ على نَحْرِهَا قِيَامًا معقولة إحدى يدَيها وهي اليُسرى. وعن يحيى بن سالِم قال: (رَأيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ ، فَنَحَرَهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ مَعْقُولةٌ إحْدَى يَدَيْهَا) يعني اليسرى.

وروِيَ عن ابنِ مسعود كان يقولُ: (صَوَافَّن) بالنون وهي المعقولةُ ، مِن قولِهم: صَفَنَ الفرسُ إذا قامَ على ثلاثِ قوائم ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: { الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ } [ص: 31] . وقرأ الحسنُ ومجاهد: (صَوَافِي) بالياء أي صافيَةً خالصةً لله تعالى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } ؛ أي سَقَطَتْ بعدَ النحرِ ، فوضعت جنوبُها على الأرضِ وخرجت روحُها ، { فَكُلُواْ مِنْهَا } ؛ ولا يجوزُ الأكلُ من البُدْنِ إلاّ بعد خروجِ الروح ، لأن ما بينَ عن الحيِّ فهو ميتٌ. وأصلُ الوُجُوب الوُقُوعُ ، ومنه وَجَبَتِ الشمسُ إذى وقعت في الْمَغِيْب ، ووجبَ الحائطُ إذا وقعَ ، ووجبَ القلبُ إذا وقعَ فيه الفزعُ ، ووجبَ الفِعلُ إذا وجبَ ما يلزمُ به فعله. قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَكُلُواْ مِنْهَا } أمَرْنا بإباحةٍ ورُخْصَةٍ مثلُ قوله: { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ } [المائدة: 2] ، وقولهِ تعالى { فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ } [الجمعة: 10] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } ؛ اختلَفُوا في معناها ، فرُويَ عن ابنِ عبَّاس ومجاهد: (أنَّ الْقَانِعَ هُوَ الَّذِي يَقْنَعُ وَيَرْضَى بمَا عِنْدَهُ وَلاَ يَسْأَلُ ، وَالْمُعْتَرَّ الَّذِي يَعْتَرِضُ لَكَ أنْ تُطْعِمَهُ مِنَ اللَّحْمِ) ، يقالُ: قَنَعَ قَنَاعَةً إذا رَضِيَ قانع ، وعَرَاهُ واعْتَرَاهُ إذا سألَهُ ، وكذلك قال عكرمةُ وقتادة: (إنَّ الْقَانِعَ هُوَ الْمُتَعَفِّفُ الْجَالِسُ فِي بَيْتِهِ ، وَالْمُعْتَرَّ السَّائِلُ الَّذِي يَعْتَرِيْكَ وَيَسْأَلُكَ) .

قال سعيدُ بن جبير والكلبيُّ: (الْقَانِعُ هُوَ الَّذِي يَسْأَلُ ، وَالْمُعْتَرُّ هُوَ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَكَ ويُرِيكَ نَفْسَهُ وَلاَ يَسْأَلُكَ) ، فعلى هذا يكون القانعُ من القُنُوعِ وهو السُّؤالُ ، يقال منه: قَنَعَ الرجلُ يَقْنَعُ إذا ذهبَ يسأل ، مثل ذهبَ فهو قانعٌ. قال الشمَّاخُ: كَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنَى مَفَاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ الْقَنُوعِأي من السُّؤال. وقال زيدُ بن أسلمَ: (الْقَانِعُ هَوَ الْمِسْكِيْنُ الَّذِي يَطُوفُ فَيَسْأَلُ ، وَالْمُعْتَرُّ الصَّدِيْقُ الزَّائِرُ ، وَالْمُعْتَرُّ الَّذِي يَعْتَرِي الْقَوْمَ لِلَحْمِهِمْ وَلَيْسَ بمِسْكِيْنٍ إلاَّ أنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ ذبيْحَةٌ ، يَأْتِي الْقَوْمَ لأَجْلِ لَحْمِهِمْ) .

وقرأ الحسنُ: (وَالْمُعْتَرِي) بالياء من قولِهم: اعْتَرَاهُ إذا غَشِيَهُ لحاجته. وروى عطاءٌ عن ابن عبَّاس: (أنَّ الْقَانِعَ الَّذِي يَسْأَلُ ، وَالْمُعْتَرَّ الَّذِي يَأْتِيْكَ بالسَّلاَمِ ، وَيُرِيْكَ وَجْهَهُ ، وَلاَ يَسْأَلُ) ، وعن مجاهد: (أنَّ الْقَانِعَ جَارُكَ الْغَنِيُّ ، وَالْمُعْتَرَّ الَّذِي يَعْتَرِيْكَ مِنَ النَّاسِ) .

فعلى هذا تقتضي الآيةُ: أن المستحبَّ أنْ يتصدَّقَ بالثُّلُثِ ؛ لأن في الآيةِ أمرٌ بالأكلِ وإعطاءِ الغنيِّ وإعطاءِ الفقير السائلِ."وعن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنه قالَ في الحرمِ:"الأَضَاحِي كُلُوا وَادَّخِرُواْ"وقال تعالى: { فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَآئِسَ الْفَقِيرَ } [الحج: 28] ، فإذا جَمعت بين الآية والخبر جُعِلَ الثلثُ للصدقةِ."

قَوْلُهُ تَعَالَى: { كَذالِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ؛ أي مِثْلَ ما وَصَفْنَا من نَحرِها وقيامها سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ ؛ أي ذلَّلْنَاهَا لكم ؛ لتتمكَّنوا من نحرِها على الوجهِ الْمَسْنُونِ ؛ لكي تَشْكُرُوا نِعَمَ اللهِ تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت