قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَكَذالِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } ؛ أي أطْلَعْنَا عليهم ، وذلك أنَّهم لَمَّا بَعَثُوا بورقِهم على يدِ يَمليخا ومضَى إلى السُّوق ، فإذا ملكُهم مسلمٌ قد أظهرَ علامات الإسلامِ فتعجَّبَ من تغيُّرِ الأمرِ ، وقال لخبَّازٍ: يعني من طعامِكَ بهذا الوَرِقِ ، فلما رأى الخبازُ دراهمَه أنكرَها وقال: مِن أينَ لك هذه وقد ضُربت منذ ثلاثِمائة سنةٍ ؟ فإما أن تعطيَني من هذا الكَنْزِ ، أو أرفعُكَ إلى الْمَلِكِ ؟ فأنتَ وجدْتَ كَنْزًا.
فحملَهُ إلى الملكِ فلم يجِدْ بُدًا من أن يذكرَ للملكِ قصَّتَهم ، فجاءَ الناسُ معهُ إلى باب الكهف ، فدخل هُوَ قَبْلَهم ، وأخبَرَ أصحابَهُ بأنَّ الملِكَ أتاهُم إذ ظهرَ القومُ عليهم فسألوهُ عن أمرِهم ، فقَصُّوا عليهم قصَّتَهم ، فَنَظَرُوا فإذا اللوحُ الرَّصاصُ وفيه أسماؤُهم وفرارُهم من دقيانوسِ.
فقالَ الملكُ: هؤلاء قومٌ هلَكُوا في زمانِ الكافرِ ، فأحياهُم اللهُ في زمانِي ، وحَسَبُوا المدَّةَ ، فوجدُوها ثلاثَمائة سنةٍ وتسعَ سنين ، فبينا هم كذلكَ يحدِّثونَهم إذ دخلُوا المكانَ ، وقد ضربَ اللهُ على آذانِهم بالنَّومِ ، هكذا رويَ عنِ ابن عبَّاس.
وذهبَ عكرمةُ إلى أنَّ القومَ دخلُوا المكانَ وقد ضربَ اللهُ على آذانِهم ، فهذا معنى قولهِ { وَكَذالِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } وقولهِ تعالَى: { لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ } أي ليعلَمَ الملكُ وقومه وغيرُهم أن البعثَ بعد الموتِ كائنٌ ، { وَأَنَّ السَّاعَةَ } ؛ القيامة ، { لاَ رَيْبَ فِيهَا } ؛ لا شك فيها.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ } ؛ قِيْلَ: كان التنازعُ في أنْ قالَ بعضُهم لبعضٍ إنَّهم قد ماتوا في الكهفِ ، وقال بعضُهم: بل ناموا كما نامُوا مِن قبلُ ، وسيوقظُهم اللهُ من بعد.
وَقِيْلَ: كانوا يتنازعون في البنَاءِ كما قالَ تعالَى: { فَقَالُواْ ابْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا } ؛ أي قال بعضُهم: نَبْنِي عليهم بُنيانًا كما تُبْنَى المقابرُ ؛ كي يستُرُوهم عن الناسِ ، وقال بعضُهم: بل نَبْنِي في هذا الموضعِ مَسْجِدًا يُعْبَدُ اللهُ فيه ، وهو قولُ الذين غَلَبُوا على أمرِهم وهم رؤساؤُهم.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا } ؛ أي أعْلَمُ بلَبْثِهِمْ ورُقادِهم وأحوالِهم ؛ لأنَّ قومَ الملكِ تنازَعُوا في قدر مَكْثِهم في الكهفِ ، وفي عددهم وفي ما يفعلونَ بعدَ ذلك.