فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ أَنْتُمْ هَـاؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ } ؛ أي ثُم أنتم يا هؤلاءِ ؛ فحذفَ حرفَ النِّداء للاستغناءِ بدلالةِ الكلام عليه. كقَوْلِهِ تَعَالَى: { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } [الإسراء: 3] . وقولهُ: { تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ } قرأ الحسنُ: (يُقَتِّلُونَ) بالتشديدِ. { وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ } ، والآيةُ خطابٌ ليهودِ قريظةَ والنضير ؛ كانت بنُو قريظةَ حلفاءَ الأوسِ ؛ وبنو النضيرِ حلفاءَ الخزرجِ ، فكان كلُّ فريقٍ يقاتلُ الفريقَ الآخر وإذا غلبَهم قتلَهم وسَبَى ذراريهم وأخرجَهم من ديارهم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } ، قرأ أهل الشام وأبو عمرو ويعقوب: (تَظَّاهَرُونَ) بتشديد الظاء ، ومعناهُ: يَتَظَاهَرُونَ ؛ فأُدغم التاءُ في الظاءِ مثل: (اثَّاقَلْتُمْ) وَ (ادَّارَكُواْ) . وقرأ عاصمُ والأعمش وحمزة وطلحة والحسن والكسائي: (تَظَاهَرُونَ) بالتخفيفِ ؛ حذفُوا تاءَ التفاعلِ وأبقَوا تاء الخطاب مثلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } [المائدة: 2] و { مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ } [الصافات: 25] . وقرأ أُبَي ومجاهدُ وقتادة: (تَظَّهَرُونَ) بالتشديدِ من غيرِ ألِفٍ ؛ أي تَتظهَرُونَ. ومعناهما جميعًا واحدٌ: تَعَاوَنُونَ. والظَّهيرَةُ العَوْنُ ؛ سُمي بذلك لإسنادهِ ظهرَهُ إلى ظهرِ صاحبه. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } أي بالمعصيةِ والظُّلم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ } ؛ مُتَّصِلٌ بقوله { وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ } [البقرة: 84] لأن قَوْلَهُ: { وَإِن يَأتُوكُمْ } داخلٌ في الميثاقِ. ومعناهُ: فكُّوا أسراكُم من غيرِكم بالفداءِ. وقرأ السلمي ومجاهدُ وابن كثير وأبو عمرٍو وابن عامر: (أُسَارَى) بالألف ، و (تُفْدُوهُمْ) بغير ألف. وقرأ الحسن: (أسْرِي) بغيرِ ألف ، (تُفَادُهُمْ) بالألف. وقرأ النخعيُّ وطلحة والأعمش وحمزة (أسْرِي تَفْدُوهُمْ) كلاهما بغير ألف. وقرأ شيبةُ ونافع وعاصم وقتادةُ والكسائي ويعقوب (أُسَارَى تُفَادُوهُمْ) كِلاهما بالألف.

والأُسَارَى: جمعُ أسيرٍ ؛ مثل: مريض ومرضَى ، وقريع وقرعَى ، وقتيلٍ وقتلى. والأَسْرَى: جمع أسير أيضًا ، مثل: سُكَارَى وكسالى. ولا فرق بين الأسارَى والأسرَى في الصحيح. قال بعضُهم: المقيَّدون المشدُودون أًسارى ، والأَسْرَى: هم المأسورون غيرُ المقيدين. قَوْلُهُ تَعَالَى: (تُفْدُوهُمْ) بالمالِ ، و (تُفَادُوهُمْ) أي مفاداة الأسير بالأسير. و (أسْرَى) في موضعِ نصب على الحال.

ومعنى الآيةِ ما قال السديُّ: (إنَّ اللهَ تَعَالَى أخَذَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيْلَ فِي التَّوْرَاةِ أنْ لاَ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلاَ يُخْرِجَ بَعْضُهُمَْ بَعْضًا مِنْ دِيَارهِمْ ؛ وَأَيَّمَا عَبْدٍ أوْ أمَةٍ وَجَدْتُمُوهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ فَاشْتَرُوهُ وَأعْتِقُوهُ. وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفَاءَ الأَوْسِ ، وَالنَّضِيْرُ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ ، وَكَانُواْ يُقْتَلُونَ فِي حَرْب سُمَيْرٍ ؛ فَيُقَاتِلُ بَنُو قُرَيْظَةَ مَعَ حُلَفَائِهِمْ ؛ وَالنَّضِيْرُ مَعَ حُلَفَائِهِمْ ، فَإذَا غَلَبُواْ خَرَّبُواْ دِيَارَهُمْ وَأخْرَجُوهُمْ مِنْهَا ؛ وَإذَا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الْفَرِيْقَيْنِ كِلاَهُمَا جَمَعُواْ لَهُ حَتَّى يَفْدُوهُ فِيُعَيِّرُونَهُمُ الْعَرَبُ بذَلِكَ ؛ فَيَقُولُونَ: كَيْفَ تُقَاتِلُونَهُمْ وَتُفْدُونَهُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: إنَّا قًَدْ أُمِرْنَا أنْ نَفْدِيَهُمْ ؛ وَحُرِّمَ عَلَيْنَا قِتَالُهُمْ. قَالُواْ: فَلِمَ تُقَاتِلُونَهُمْ ؟ قَالُواْ: إنَّا نَسْتَحِي أنْ يَسْتَذِلَّ حُلَفَاؤُنَا ؛ فَذَلِكَ حِيْنَ عَيَّرَهُمْ اللهُ تَعَالَى) .

وقال: { ثُمَّ أَنْتُمْ هَـاؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ } وفي الآية تقديم وتأخيرٌ ؛ تقديره: { وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ } { وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } (وَإنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تَفْدُوهُمْ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت