فهرس الكتاب

الصفحة 615 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ } [المائدة: 3] جَاءَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنَّ لَنَا كِلاَبًا نَتَصَيَّدُ بهَا فَتَأْخُذُ الْبَقَرَ وَالظِّبَاءَ وَالْحُمُرَ ، فَمِنْهَا مَا نُدْركُ ذكَاتَهُ ، وَمِنْهَا مَا لاَ نُدْركُ ، وَقَدْ حَرَّمَ اللهَ الْمَيْتَةَ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .

ومعناها: يَسألونَكَ يا مُحَمَّدُ: أيَّ شيءٍ أحِلَّ لَهم من الصَّيدِ وغيرِه ؟ قُلْ أحَلَّ لَكُمُ الْمُبَاحَاتِ. يقال: هذا يَطِيْبُ لفلانٍ ؛ أي يَحِلُّ ، قال الله تعالى: { فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَآءِ } [النساء: 3] أي ما حَلَّ لكم. وكلُّ شَيْءٍ لَمْ يَأْتِ تَحْرِيْمُهُ فِي كِتَابٍ أوْ سُنَّةٍ فَهُوَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ. وقال بعضُهم: أراد بالطِّيباتِ المستلذاتِ والمشتَهَياتِ ، وهو عامٌّ أريدَ به غيرُ ما تَضْمَّنَتْهُ الآيةُ المتقدِّمةُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } أي وأحلَّ صَيْدَ ما عَلَّمْتُمْ ، فحذفَ ذِكْرَ الصَّيدِ لأنَّ في الكلامِ دليلًا عليه ، والْجَوَارحُ: هِيَ الْكَوَاسِبُ مِنَ الْفَهْدِ ؛ وَالصَّقْرِ ؛ وَالْبَاز ؛ وَالْعُقَاب ؛ وَالنَّسْرِ ؛ وَالْبَاشِقِ ؛ وَالشَّاهِيْنِ وسائرِ ما يُصْطَادُ به الصيدُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ } [الأنعام: 60] أي كَسَبْتُمْ ، وَقِيْلَ: معنى الْجَوَارحِ: الْجَارحَاتُ بنَاتٍ أو مَخْلَبٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { مُكَلِّبِينَ } حالٌ للمعلِّمينَ ؛ أي في حالِ إغْرَائِهِمْ الكلبَ على الصَّيدِ ، والتَّكْلِيْبُ: إغْرَاءُ السَّبُعِ عَلَى الصَّيْدِ وإرْسَالُهُ.

ومن قرأ (مُكَلَّبيْنَ) بفتحِ اللاَّمِ فهو حالُ من الكوَاسِب المعلِّمين. وقرأ ابنُ مسعودٍ والحسنُ: (مُكَلِبيْنَ) بإسكانِ الكافِ وتخفيف اللام ، فعلى هذا المعنى يجوزُ أن يكونَ مِن قولِهم: أكْلَبَ الرَّجُلُ إذا كَثُرَتْ كِلابُهُ ، وأمْشَى إذا كَثُرَتْ مَاشِيَتُهُ ، ولذلكَ ذَكَرَ الكلاب ؛ لأنَّها أعَمُّ وأكثَرُ ، والمرادُ به جميعُ الجوارحِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ } ؛ أي تُؤَدِّبُوهُنَّ أن يُمْسِكْنَ الصَّيدَ عليكم كما أدَّبَكُمُ اللهُ تعالَى: { فَكُلُواْ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ } ؛ أي على الإرْسَالِ ، كما رُويَ عنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ:"إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ ، وَسَمَّيْتَ اللهَ تَعَالَى فَكُلْ ، وَإنْ أكَلَ مِنْهُ فَلاَ تَأْكُلْ ، فَإنَّهُ إنَّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ"وفي بعضِ الرِّواياتِ:"وَإنْ شَارَكَ كَلْبَكَ كَلْبٌ آخَرُ فَلاَ تَأَكُلْ ، فَإنَّكَ إنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبكَ ، وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى كَلْب غَيْرِكَ"

وذهبَ بعضُ أهلِ العلم إلى أنَّ معنى الإمساكِ في هذه الآيةِ أنْ يَحْفَظَ الكلبُ الصَّيْدَ حتَّى يجيءَ صاحبهُ ، فإنْ تركَهُ حتى غابَ عن صاحبهِ ثم وجدَهُ صاحبُهُ بعدَ ذلكَ ميتًا لَمْ يَحِلَّ أكلهُ. قال صلى الله عليه وسلم:"كُلْ مَا أصْمَيْتَ ، وَدَعْ مَا أنْمَيْتَ"، قِيْلَ: الإصْمَاءُ: مَا رَأيْتَ ؛ والإنْمَاءُ مَا تَوَارَى عَنْكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت