فهرس الكتاب

الصفحة 532 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ } ؛ هذا استثناءٌ لِمَنِ اتَّصَلَ من الكفار بقومٍ بينهم وبين المسلمينَ مِيْثَاقٌ ، قال ابنُ عبَّاس: (أرَادَ بالْقَوْمِ الأَسْلَمِيِّينَ ، وَادَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أبَا بُرْدَةَ هِلاَلَ بنَ عُوَيْمِرَ الأَسْلَمِيَّ وَأَصْحَابَهُ عَلَى أنْ لاَ يُعِينُوهُ وَلاَ يُعِيْنُوا عَلَيْهِ ، فَمَنْ وَصَلَ إلَيْهِمْ وَلَحِقَ بهِمْ بالأَنْسَاب أوْ بالْوَلاَءِ) يعني: لجأَ أحدٌ من الكفار في عهدِ الأسلَمِيِّينَ على حَسْب ما كان بين يدَي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وبينَ قُريشٍ من الموادعة ؛ فدخلت خُزاعَةُ في عهدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ودخلت بَنُو كِنَانَةَ في عهدِ قُرَيشٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ } ؛ معناهُ: ويَصِلُونَ إلى قومٍ جاؤُكم ضَاقَتْ صدورُهم أن يقاتِلوكُم مع قومِهم ، { أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ } ؛ معكُم وهم بَنُو مُدْلَجٍ ، { وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ } ؛ لَسَلَّطَ قوم هلالِ بن عويْمِر ، وبنِي مُدْلَجٍ عليكم ، { فَلَقَاتَلُوكُمْ } ؛ كما قَتَلْتُمُوهُمْ ظالِمين لهم ، { فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ } ؛ أي فإنْ تركوكُم فلم يقاتِلُوكم مع قومِهم ، واستسلَمُوا أو خَضَعُوا بالصُّلح والوفاءِ ، { فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا } ؛ أي حُجَّةً في القتالِ وقال أهلُ النَّحْوِ: معنى { أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } أي حَصِرَتْ. و (حَصِرَتْ) لا يكون حالًا إلاّ بعدَ ؛ قالوا: ويجوزُ أن يكون (حَصَرِتْ صُدُورُهُمْ) خبرًا بعد خبرٍ ؛ كأنه قالَ: أو جاؤُكم ، ثم أخبرَ بعدُ فقالَ: (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أنْ يُقَاتِلُوكُمْ) . وفي الشواذِّ: (أوْ جَاؤُكمُ حَصْرَةَ صُدُورُهُمْ) .

وأمَّا اللامُ في { لَسَلَّطَهُمْ } فجوابُ { لَوْ شَاءَ اللهُ } ، واللاَّمُ في { فَلَقَاتَلُوكُمْ } للبدلية ، والفاءُ فاءُ عطفٍ بمنْزِلة الواو.

وقد رويَ عن عطاءِ عنِ ابنِ عبَّاس: (أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنْسُوخَةٌ بقَوْلِهِ { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [النساء: 89] بآيَةِ السَّيْفِ ، هِيَ مُعَاهَدَةُ الْمُشْرِكِيْنَ وَمَوَادَعَتُهُمْ مَنْسُوخَةٌ بقَوْلِهِ: { فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [التوبة: 5] ) . ولأن الله تعالى أعَزَّ الإسلامَ وأهلَهُ ؛ فلا يُقْبَلُ من مشركي العرب إلاّ الإسلامُ أو السَّيْفُ بهذه الآيةِ ، وقد أمرَنا اللهُ تعالى في أهلِ الكتاب بقتالِهم حتى يُسْلِمُوا أو يُعْطُوا الجزيةَ بقوله تعالى: { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ } [التوبة: 29] إلى قولهِ تعالى: { وَهُمْ صَاغِرُونَ } [التوبة: 29] فلا يجوزُ مُدَاهَنَةُ الكفَّار وتركُ أحدِهم على الكفرِ من غيرِ جِزْيَةٍ إذا كان بالمسلمين قُوَّةٌ على القتالِ ، وأما إذا عَجَزُوا عن مقاومتِهم وخافُوا على أنفسِهم وذراريهم جازَ لَهم مهادنةُ العدوِّ من غير جزيةٍ يؤدُّونَها إليهم ؛ لأن حَظْرَ الموادعةِ كان لسبب القوَّة ؛ فإذا زالَ السببُ زالَ الْحَظْرُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت