قوله عَزَّ وَجَلَّ: { ياأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلًا طَيِّبًا } ؛ أي من الزروع والأنعامِ وغير ذلك مما أحلَّ الله لكم. والطيبُ صفة للحلال ؛ وهما واحدٌ ، ويجوز أن يكون الحلالَ الْمُسْتَلَذَّ. { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } ؛ أي لا تسلكوا طريقَهُ التي يدعوكم إليها.
وقيل: نزلت هذه الآية في ثقيفٍ وخُزاعة وبني عامر بن صعصعة ؛ كانوا يُحَرِّمُونَ الْبَحِيْرَةَ والسائبةَ والوصيلة والحام وبعض الحروثِ.
ووجه دخول (من) التي هي للتبعيض: أن كل ما في الأرض لا يُمكن أكله ولا يحلُّ. وقوله تعالى { حَلاَلًا طَيِّبًا } انتصبا على الحال. وقيل: على المفعول ؛ أي كُلوا حلالًا طيبًا مما في الأرض.
وقولهُ: { خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } قرأ شيبةُ ونافع وعاصمٌ في رواية أبي بكرٍ ، والأعمش وحمزة وأبي عمرٍو ؛ وابنِ كثير في رواية: بسكونِ الطاء في جميع القرآن. وقرأ قُنْبُلُ وحفصٌ: بضم الخاء والطاء في جميع القرآنِ. وقرأ عليٌّ رضي الله عنهُ وسلامٌ عليه: بضمِّ الخاء والطاءِ وهمزة بعد الطاء. وقرأ أبو السمَّال العدويُّ وعبيدُ بن عميرٍ: (خَطَوَاتِ) بفتح الخاء والطاء.
فمن أسكنَ الطاءَ بقَّاهُ على الأصلِ ؛ وطلب الْخِفَّةَ ؛ لأنه جمعُ خطوةٍ بإسكان الطاء ، ومن ضمَّ الطاء فإنه اتبع ضمة الخاء ضمة الطاء مثل ظُلمة وظُلُمات وقربة وقُرُبات. ومَن همَزَ الواو مع الضم ذهبَ بها مذهبَ الخطيئةِ ، ومن فتح الخاء والطاء فإنه أرادَ جمعَ خطوةٍ مثل ثَمَرات.
واختلفَ المفسرونَ في قولهِ: { خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } فعنِ ابن عبَّاسٍ: (أنَّ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ عَمَلُهُ) . وقال مجاهدُ وقتادة والضحاك: (خَطَايَاهُ) . وقال الكلبيُّ والسديُّ: (طَاعَتُهُ) . وقال عطاءٌ: (زَلاَّتُهُ وَشَهَوَاتُهُ) . وقال الْمُؤَرِّجُ: (آثَارُهُ) . وقال القُتََبيُّ والزجَّاج: (طُرُقُهُ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ؛ أي بيِّنُ العداوةِ ، وقيل: مظهرُها قد بَانَ عداوتهُ بإبائه السجودَ لأبيكم آدم وغروره إياه حين أخرجه من الجنة. ثم بيَّن الله عداوته فقال: { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَآءِ } ؛ أي بالإثم والمعاصي ، وقيل: السوءُ: ما يجب به التعزيز ؛ والفحشاء: ما يجب به الحدُّ. وقيل: كل ما كان في القرآن من الفحشاء فهو زناًّ ، إلا قوله تعالى: { وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ } [البقرة: 268] فإنه منع الزكاة. وقيل: الفحشاء: ما قُبحَ من القول والفعل. وقال طاوُوس: (الْفَحْشَاءُ: مَا لاَ يُعْرَفُ فِي شَرِيْعَةٍ وَلاَ سُنَّةٍ) . وقال عطاءُ: (هِيَ الْبُخْلُ) . وقال السديُّ: (هِيَ الزِّنَا) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ؛ من تحريمِ الحرث والأنعام وغير ذلك ؛ ومِن وصفكم اللهَ تعالى بالأنداد والأولاد ، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا. فإن قيل: كيفَ يصحُّ أنْ يأمرَ الشيطانُ وهو لا يشاهَد ولا يسمَع صوته ؟ قيل: معنى يأمركم يدعوكم ويرغبكم كما يقول الإنسان: نفسي تأمرُني بكذا ؛ أي تدعوني إليه.