فهرس الكتاب

الصفحة 3511 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } ؛ أوَّلُ هذه الآيةِ يدلُّ على أنَّ اللهَ تعالى منعَ أيدِي أهلِ مكَّة يومَ الحديبيةِ عن قتالِ المسلمين بالرُّعب ، ومنعَ أيدينا عن قتالِهم بالنَّهي.

وَقِيْلَ: إنَّ المؤمنين لم يُنهَوا عن قتالِهم يومئذٍ ، ولكن لم يقدِّرْ الله ذلك للمؤمنين إبقاءً للمؤمنين المستضعَفين الذين كانوا في أيدِي المشركين كما قال تعالى: { وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } .

وقولهُ تعالى: { مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } ، قال أنسُ رضي الله عنه: (وَذلِكَ أنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ مِنْ جَبلِ التَّنْعِيمِ عِنْدَ صَلاَةِ الْفَجْرِ مُتَسَلِّحِينَ ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبيَةِ ، فَأَخَذهُمْ رَسُولُ اللهِ وَأعْتَقَهُمْ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ) { وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } .

وقال ابنُ عبَّاس: (بَعَثَتْ قُرَيْشُ أرْبَعِينَ رَجُلًا أوْ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ ، وَأمَرُوهُمْ أنْ يَطُوفُواْ بعَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبيَةِ لِيُصِيبُوا لَهُمْ مِنْ أصْحَابهِ أحَدًا ، فَأُخِذُواْ فَأُتِيَ بهِمْ رَسُولُ اللهِ ، فَعَفَا عَنْهُمْ وَخَلَّى سَبيلَهُمْ ، وَقَدْ كَانُوا رَمَوا فِي عَسْكَرِ رَسُولِ اللهِ بالْحِجَارَةِ وَالنَّبْلِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) . { هُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } أي همُ الذين كفَرُوا بمُحَمَّدٍ والقرآنِ ، يعني كفَّارَ مكة ، وصَدُّوكم عن المسجدِ الحرام أن تطُوفوا به للعُمرة ويحلوا من عمرتِكم.

وقولهُ تعالى { وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا } أي وصَدُّوا الهديَ مَمْنُوعًا أن يبلغَ مَحِلَّهُ الذي إذا صارَ إليه حلَّ نحرهُ وهو الحرمُ ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم ساقَ في ذلك العام سَبعين بَدْنَةً إلى مكَّة. { مَعْكُوفًا } في اللغة هو الممنوعُ عن الذهاب في جهته بالإقامةِ في مكانه ، يقالُ: عَكَفَ على الأمر عكوفًا ، واعْتَكَفَ في المسجدِ إذا أقامَ به.

ومعنى الآيةِ: هم الذين كفَرُوا وصدُّوكم عن المسجدِ الحرام ، وصدُّوا الهديَ وهي البُدْنُ التي ساقَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وكانت سَبعين بَدْنَةً معكوفًا أي مَحْبُوسًا أن يبلُغَ مَحِلَّهُ أي مسجدَهُ ، وهذه الآيةُ دلالةٌ على أن محِلَّ الهدي الحرمُ ، ولو كان محلهُ غيرُ الحرمِ لَمَا كان مَعْكُوفًا عن بلوغِ محلَّه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ } ؛ معناهُ: ولو تطَأُوا رجالًا مُؤمِنين ونساءً مُؤمِنات مُقِيمَات بمكَّة لم تعلَمُوهم فتقتلوهم ، { فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ } ؛ قِبَلَهم ، { مَّعَرَّةٌ } ؛ أي عَيْبٌ ومسَبَّة في العرب بأنَّكم قتَلتُم أهلَ دينِكم ، ويقالُ: أراد بالْمَعَرَّةِ الغَمَّ والجزعَ. وجوابُ (لَوْلاَ) محذوفٌ تقديرهُ: لولا ذلك لدَخلتُم على أهلِ مكَّة ولوطأتموهم لَيْلًا ولضَربتُم رقابَ المشركين بنَصرِنا إيَّاكم ، ولكنَّ اللهَ منعَ من ذلك كراهةَ وطئِ المؤمنين المستضعَفين الذين كانوا بمكَّة ، والمؤمناتِ بالقتلِ لأنَّهم لو دخَلُوا مكَّة لم يتميَّز لهم المؤمنون من الكفَّار ، فلم يأْمَنوا أن يَقتُلوا المؤمنين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت