فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا } ؛ قيل: سببُ نزول هذه الآية: أنَّ اليهودَ كانوا يقولون حين حُوِّلت القبلةُ إلى الكعبة: إنْ كانَ الأولُ حقًّا فقد رجعتُم ، وإن كان الثاني حقًّا فقد كنتم على الباطلِ. وقيل: سببهُ: أنَّ اليهود كانوا يُنْكِرُونَ نسخَ الشرائع ؛ ويقولون: إن النسخَ سببُ الندامة ، ولا يجوزُ ذلك على الله. فَنَزلت هذه الآية ردًّا عليهم وبيَّن أنه يدبرُ الأمرَ كيف يشاء.

ومعناهُ: ما نُبدِّلْ من آية أو نتركْها غيرَ منسوخة نأت بخيرٍ من المنسوخة ؛ أي أكثرُ في الثواب. وقيل: ألْيَنُ ، وأسهلُ على الناس ؛ أو مثلها في المصلحةِ والثواب. قيل: إن قولَه: { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا } ، مثل الأمرِ بالقتال ؛ فرضَ اللهُ في القتال أوَّل ما فرضَ في الجهاد بأن يكونَ كلُّ مسلمٍ بدل عشرةٍ من الكفار ، وكان لا يحلُّ له أن يَفِرَّ من عشرةٍ كما قال تعالى: { إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ } [الأنفال: 65] ثُم نُسِخَ بقوله: { الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ } [الأنفال: 66] الآيةُ. ولَم يقل أحدٌ إن بعض آيات القرآن خير من بعض في التلاوة والنظم ؛ إذ جميعه معجزٌ.

وأما قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَوْ مِثْلِهَا } ؛ فهو مثل آيةُ القِبلة جعلَ الله ثوابَ الصلاةِ إلى الكعبة بعد النسخِ مثلَ ثواب الصلاةِ إلى بيتِ المقدس قبلَ النسخ. وروي أن المشركين: قالوا: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يأمرُ أصحابَهُ بأمرٍ ثم ينهاهم عنهُ ، ويأمرُهم بخلافهِ ، ويقول اليومَ قولًا ويرجعُ عنه غدًا ، ما هذا القرآنُ إلا كلامُ محمَّدٍ يقولهُ من تِلْقَاءِ نفسه ، وهو كلامٌ يناقضُ بعضُه بعضًا. فأنزلَ الله تعالى: { وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } [النحل: 101] . وأنزل أيضًا: { مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَا نَنسَخْ } قرأ ابن عامر (نُنْسِخُ) بضم النون وكسر السين ، ومعناه على هذه القراءة نجعله نسخةً من قولك: نسخت الكتابَ ؛ إذا كتبتَهُ. وقرأ الباقون: (نَنْسَخْ) بفتح النون والسين.

وقوله { أَوْ نُنسِهَا } قراءة سعيد بن المسيب وشيبة ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي (نُنْسِيْهَا) بضم النون وكسر السين ، ومعناه: نأمره بتركها. وقرأ أُبي ابن كعب (أو نُنْسِكْ) . وقرأ عبدالله (مَا نُنْسِكْ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْهَا) . وقرأ سالِمُ مولَى حذيفةَ: (أو نُنْسِكَهَا) . وقرأ أبو حاتم: (أوْ نُنِسِّهَا) بالتشديد. وقرأ الضحاك: (أوْ تُنْسَهَا) بضم التاء وفتح السين. وقرأ سعدُ بن أبي وقاص: (أوْ تَنْسَاهَا) بتاء مفتوحة. وعن القاسمِ بن رَبيعة قال: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أبي وَقَّاص يَقْرَأُ (أوْ تَنْسَهَا) ، فَقُلْتُ: إنَّ سَعِيْدَ ابْنَ الْمُسَيَّب يَقْرَأُ (أوْ تَنْسَاهَا) فَقَالَ: (إنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلَى آلِ الْمُسَيَّب. قَالَ اللهُ تَعَالَى: لِنَبيِّهِ صلى الله عليه وسلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت