قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } ؛ قال ابنُ عبَّاس:(وَذَلِكَ أنَّ الاثْنَي عَشَرَ نَقِيْبًا الَّذِيْنَ أرْسَلَهُمْ مُوسَى إلَى قَرْيَةِ الْجَبَّاريْنَ جَوَاسِيْسَ ؛ لَمَّا انْتَهَوا إلَى مَدِيْنَتِهِمْ أخِذُوا فَأُتِيَ بهِمْ إلَى الْمَلِكِ ، وَيُقَالُ أخَذهُمْ عِوَجُ ابْنُ عُنُقٍ وَاحْتَمَلَهُمْ فِي ثَوْبهِ حَتَّى ألْقَاهُمْ بَيْنَ يَدَي الْمَلِكِ ، فَقِيْلَ لِلْمَلِكِ: إنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أنَّهُمْ يَفْتَحُونَ مدِيْنَتَكَ وَيَظْهَرُونَ عَلَيْكَ ، قالَ: فَطُوفُوا بهِمُ الْمَدِيْنَةَ فَأَرُوهُمْ إيَّاهَا.
فَطَافُوا بِهِمْ ، وَكَانُوا يَلْعَبُونَ بهِمْ حَتَّى أنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ لِيَأْتِي بالْقَدَحِ وَالسُّكْرَجَةِ وَالْقَصْعَةِ فِيِدْخُلُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ تَحْتَهَا ، ثُمَّ رَدُّوهُمْ إلَى الْمَلِكَ فَأَرَادَ قَتْلَهُمْ ، فَقَالَتْ: إيْش تَصْنَعُ بقَتْلِ هَؤُلاَءِ وَيَكْفِيْهِمْ مَا رَأواْ ، رُدُّوهُمْ إلَى أصْحَابِهِمْ يُحَدِّثُونَهُمْ بمَا رَأواْ ، فَأَرْسَلُوهُمْ.
فَلَمَّا خَرَجُوا قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: قَدْ عَلِمْتُمْ خِلاَفَ بَنِي إسْرَائِيْلَ لِمُوسَى ، وَقَدْ وَعَدَ اللهُ مُوسَى أنْ يَفْتَحَ لَهُمُ الأَرْضَ ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ ، فَهِيْمُوا التَّحَالُفَ أنْ لاَ يُخْبَرَ شَيْئًا غَيْرُ مُوسَى ؛ فَتَحَالَفُوا.
فَلَمَّا خَلَوا بنِسَائِهِمْ جَعَلَتِ الْمَرَأةُ تَسْأَلُ زَوْجَهَا عَمَّا رَأَى ، فَيَأْخُذُ عَلَيْهَا الْمَوَاثِيْقَ أنْ لاَ تُخْبرَ أحَدًا ، ثُمَّ يُخْبرُهَا ، وَجَعَلَتِ الْمَرْأةُ يَأَتِيْهَا أبُوهَا وَأمُّهَا وَإخْوَانُهَا فَتَأْخُذُ عَلَيْهِمُ الْمَوَاثِيْقَ ثُمَّ تُخْبرُهُمْ.
فَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ حَتَّى فَشَا الْخَبَرُ فِي الْبلاَدِ ، وَلَمْ يُخْبرْ يُوشُعُ وَلاَ كَالِبُ أحَدًا بشَيْءٍ مِنْ أمْرِهِمْ ، إنَّمَا أخْبَرَ بذلِكَ الْعَشَرَةُ. فَجَمَعَ مُوسَى عليه السلام بَنِي إسْرَائِيْلَ وَخَطَبَهُمْ ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي إسْرَائِيْلَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أنْبيَاءَ...)إلى قوله: { فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } .
وأمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: { ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ } قال ابنُ عبَّاس: (هِيَ أرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) . ويقال: هي دمشقُ وفلسطين وبعضُ الأردنِّ ، وسُميت (الْمُقَدَّسَةَ) ؛ لأنَّها طُهِّرَتْ من الشِّرْكِ ، وجُعِلَتْ مَسْكَنًا وقَرارًا للأنبياءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ } أي أمَرَكُم بدخولِها. وَقِيْلَ: التي كتبَ اللهُ لكم في اللَّوحِ الْمحفوظِ أنَّها لكُم مساكنُ ، ويقال: التي وَهَبَ اللهُ لأبيكُم إبراهيمَ عليه السلام ، وجعلَها مِيراثًا لكم ، وذلكَ أنَّ إبراهيمَ حين ارتفعَ على الجبلِ ، قِيْلَ لهُ: أنْظُرْ ؛ فَلَكَ ما أدركَ بصرُكَ وهو ميراثٌ لولدِكَ مِنْ بعدكَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } ؛ أي لا تَرْجِعُوا وراءَكم وتَجْبُنُوا من عدوِّكم منهزمينَ منهم فتنصرفُوا مغبونينَ بفَوْتِ الظَّفَرِ في الدُّنيا والعقوبةِ في الآخرة.