قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل للَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } ؛ أي قُلْ يا مُحَمَّدُ لكفار مكَّة: لِمَنْ مُلْكُ ما في السَّموات والأرضِ ، فإِنْ أجابوكَ وقالوا: الله ، وإلا فَقُلْ لَهم"الله"إذ هُم يعلمونَ ويُقِرُّونَ أن الأصنامَ لا تَملك خَلْقَ شيء ، وإنَّما اللهُ يَمْلِكُ ذلك.
وقَوْلُهُ تَعَالَى: { كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } أي أوْجَبَ على نفسهِ الرَّحمةَ فضلًا وكَرَمًا. أو قيل: معناهُ: أوجبَ على نفسهِ الثوابَ لِمن أطاعَهُ ؛ وقيل: أوجبَ على نفسهِ الرحمةَ بإِمهالِ مَن عصاهُ ؛ ليستدركَ ذلك بالتوبةِ ولم يُعَاجِلْهُ بالعقوبةِ ، وهذا استعطافٌ من الله عَزَّ وَجَلَّ للمُتَوَلِّيْنَ عنه إلى الإِقبالِ ، وإخبارٌ بأنه رَحِيْمٌ بعبادهِ لا يُعَجِّلُ عيهم بالعقوبة ، ويقبلُ منهم الإِنابةَ والتوبةَ.
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لَمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى الْخَلْقَ ؛ كَتَبَ فَوْقَ الْعَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي". وقال عمرُ رضي الله عنه لكعب الأحبار: (مَا أوَّلُ شَيْءٍ ابْتَدَأ اللهُ بهِ ؟ فَقَالَ كَعْبٌ: كَتَبَ اللهُ كِتَابًا لَمْ يَكْتُبْهُ بقَلَمٍ وَلاَ مِدَادٍ ؛ كِتَابُهُ الزُّبَرْجَدُ وَاللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتَ: إِنِّي أنا اللهُ لاَ إِلَهَ إلاَّ أنا ، سَبَقَتْ رَحْمَتَي غَضَبي) .
وفي الخَبرِ: أنَّ للهِ تعالى مائة رحمةٍ كلُّها مِلْىءُ السَّموات والأرضِ ، فأهبطَ اللهُ تعالى منها رحمةً واحدة لأهلِ الدُّنيا ، فهم بها يتراحَمون ؛ وبها يتعاطَفون ؛ وبها يتراحمُ الإنس والجنُّ وطيرُ السَّماء وحيتانُ الماء ؛ وما بين الهواء ودواب الأرض وهوامِّها ، وأخَّرَ تِسْعًا وتسعين رحمةً يرحمُ بها عبادَهُ يومَ القيامةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ } ؛ بدلُ من الرحمةِ وتفسيرٌ لَها ، فكأنَّهُ قالَ: لَيَجْمَعَنَّ بين المؤمنينَ والكفار ، بين المؤمنِ والكافر في الرِّزق والنِّعمةِ والدَّولةِ إلى يوم القيامة ، لا شَكَّ فيه عند المؤمنينَ أنهُ حقٌّ كائنٌ ، ثم تكونُ العاقبةُ بَدَلَ البعثِ للمؤمنين.
قَوْلُهُ تَعَالىَ: { الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ } ؛ ابتدأ كلامَهُ ؛ وجوابهُ { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ؛ لأنَّ (الَّذِيْنَ) في موضعِ شرطٍ ؛ وتقديرُ الآية: الذين غَبَنُوا أنفسَهم وأهليهم ومنازلَهم وخَدََمَهَمْ في الجنَّة في سابق عِلْمِ الله لا يؤمنونَ ؛ أي لا يُصَدِّقُونَ بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم والقرآنِ.
وذهبَ بعضُهم إلى أنَّ قولَه تعالى: { لَيَجْمَعَنَّكُمْ } كلامٌ مبتدأ على وجهِ القَسَمِ ، و (الَّذِيْنَ) بدلٌ من الكافِ والميم في (ليَجْمَعَنَّكُمْ) ، كأنهُ قال: لَيَجْمَعَنًَّ هؤلاءِ المشركين { الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ } إلى هذا اليومِ الذي يجحدونَه ويكفُرونَه. ويحتملُ أن يكونَ قولهُ: { الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ } راجعًا إلى المكذِّبين ، كأنهُ قال: عاقبةُ المكذبين { الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ } .