قَوْلُهُ تَعَالَى: { لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } ؛ قرأ اهلُ الكوفةِ: (يَحْسَبَنَّ) بالياءِ ، وقرأ غيرُهم بالتَّاء ، فمن قرأ بالياء فمعناهُ: لا يَحْسَبَنَّ الْفَارحُونَ فَرَحَهُمْ مُنْجِيًا لَهم من العذاب ، ومن قرأ بالتاءِ فالخطابُ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وقوله: { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } إعادةُ توكيدٍ. قرا الضحَّاك بالتاءِ وضمِّ الباء أرادَ مُحَمَّدًا وأصحابَه. وقرأ مجاهدُ وابن كثير وأبو عمر بالياءِ وضمِّ الباءِ خبرًا عن الْفَارحِيْنَ ؛ أي لا يَحْسَبَنَّ أنفُسَهم.
واختلفوا فيمَنْ نزلَتْ ، فقالَ مجاهدُ وعكرمة: (نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ وَكَانُواْ يَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ الصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْكِتَاب الأوَّلِ وَالْعِلْمِ الأوَّلِ ، يُرِيْدُونَ الْفَخْرَ وَالسُّمْعَةَ وَالرِّيَاءَ لِكَي يُثْنِي عَلَيْهِمْ وَيَحْمِدَهُمْ سَفَلَتَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ مِنْ بَيَانِ صِفَةِ كِتَابهِمْ) . وقالَ عطاءُ: (نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِيْنَ ؛ كَانُواْ يَأْتُونَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَيُخَالِطُونَ الْمُسْلِمِيْنَ وَيُرَاؤُنَ بالأَعْمَالِ الَّتِي يُحِبٌّونَ أنْ يُحْمَدُواْ وَيُمْدَحُواْ عَلَى ذلِكَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ } ؛ أي لا تَظُنَّهُمْ يا مُحَمَّدُ بمَنْجَاةٍ ؛ أي بُعْدٍ مِن العذاب ، { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ؛ وَجِيْعٌ في الآخرةِ ، وتكرارُ (لاَ تَحْسَبَنَّ) لطول القصَّة. ويجوزُ أن يكونَ خبرَ (لاَ تَحْسَبَنَّ) الأوَّل مُضْمَرًا تقديرهُ: لاَ يَحْسَبَنَّ الذينَ يَفْرَحُونَ بما أوْتُوا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بما لن يفعلوا نَاجِيْنَ ، ومن قرأ (بمَا أوْتُوا] بالمدِّ ؛ فَمَعْنَاهُ: بما أعطوا من النفقةِ والصَّدقة. ومن قرأ(بمَا أتَوا) بما أعْطَوا من الدُّنيا.