قولهُ عَزَّ وَجَلَّ: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } ؛ الْمَيْتَةُ: اسمٌ لِكُلِّ ذِي رُوحٍ فَارَقَهُ رُوحُهُ حَتْفَ أنْفِهِ ، والمرادُ بالدَّمِ: الدَّمُ الْمَسْفُوحُ ، وحُرِّمَ عليكُم لَحْمُ الْخِنْزِيْرِ لِعَيْنِهِ لا لكونهِ ميتةً حتى لا يحلَّ تناولهُ مع وجودِ الذكاةِ فيه.
وفائدةُ تخصيصِ لَحْمِ الْخِنْزِيْرِ بالْذِّكْرِ دونَ لحمِ الكلب وسائرِ السَّباعِ: أنَّ كثيرًا من الكُفَّار ألِفُوا لحمَ الْخِنْزِير ، واعتادُوا أكلَهُ وأوْلِعُوا به ما لَمْ يعتادُوا بهِ أكلَ غيرهِ. وَقِيْلَ: فائدتهُ: أنَّ مُطْلَقَ لفظِ التحريم يدلُّ على نجاسةِ عَيْنِهِ مع حُرْمَةِ أكلهِ ، ولحمُ الخنْزِيرِ مختصٌ بهذا الحُكْمِ ؛ وذلكَ: أنَّ سائرَ الحيواناتِ الْمُحَرَّمِ أكلُها إذا ذُبحَتْ كان لحمُها طاهرًا لا يفسدُ الماءُ إذا وقعَ فيه ، وإنْ لم يَحِلَّ أكلهُ بخلافِ لحم الْخِنْزِيْرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } أي وحُرِّمَ عليكم ما ذُكِرَ عليه عندَ الذبْحِ اسمُ غيرِ الله ، وذلك أنَّهم كانوا يذبحونَ لأصنامِهم يتقرَّبون بذبْحِها إليهم ، فََحَرَّمَ اللهُ كلَّ ذبيحةٍ يُتَقَرَّبُ بذبحِها إلى غيرِ الله تعالى ، ولذلك قالَ الفُقَهَاءُ: إنَّ الذابحَ لو سَمَّى النبيَّ صلى الله عليه وسلم معَ اللهِ تعالى فقالَ: بسمِ اللهِ ومُحَمَّدٍ ؛ حَرُمَتِ الذبيْحَةُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ } ؛ أي حُرِّمَ عليكم أكلُ لحم الْمُنْخَنِقَةِ ؛ وهي التي تَنْخَنِقُ بحَبْلٍ أوْ شَبَكَةٍ فَتَمُوتُ مِنْ غَيْرِ ذكَاةٍ ، وأمَّا الْمَوْقُوذةُ ؛ فهي الْمَضْرُوبَةُ بالْخَشَب حتَّى تَمُوتَ ، قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْمُتَرَدِّيَةُ } هي التي تَتَرَدَّى من جَبَلٍ أو سَطْحٍ أو فِي بئْرٍ فَتَمُوتُ قَبْلَ الذكَاةِ. وَالتَّرَدِّي: هُوَ السُّقُوطُ ، مأخوذٌ من الرِّدَاءِ وهو الْهِلاَكُ ، قال صلى الله عليه وسلم لِعَدِيِّ بْنِ حَاتَمٍ:"إذا تَرَدَّتْ رَمْيَتُكَ مِنْ جَبَلٍ فَوَقَعَتْ فِي مَاءٍ فَلاَ تَأْكُلْ ؛ فَإنَّكَ لاَ تَدْري أسَهْمُكَ قَتَلَهَا أمِ الْمَاءُ"
فصارَ هذا الكلامُ أصلًا في كلِّ موضعٍ اجتمعَ فيه معنيان: أحدُها حَاظِرٌ ، والآخرُ مبيحٌ فأنَّهُ تَغْلُبُ جِهَةُ الْحَظْرِ ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم:"الْحَلاَلُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا أمُورٌ مُشَبَّهَةٌ ، فَدَعْ مَا يُرِيْبُكَ إلَى مَا لاَ يُرِيْبُكَ ، ألاَ وَإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً ، وَإنَّ حِمَى اللهِ مَحَارمُهُ ، فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوْشِكُ أنْ يَقَعَ فِيْهِ"وعن عمرَ رضي الله عنه أنه قالَ: (كُنَّا نَدَعُ تِسْعَةَ أعْشَار الْحَلاَلِ مَخَافَةَ الرِّبَا].
قوله عزّ وَجَلَّ: { وَالنَّطِيحَةُ } ؛ هي التي تُنْطَحُ حتى تَموتَ ، وإذا تناطحتِ الحيواناتُ فَقَتَلَ بعضُها بعضًا في النِّطَاحِ فهي حرامٌ بالآية ، قال ابنُ عبَّاس: (كَانَ أهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَخْنُقُونَ الشَّاةَ حَتَّى إذا مَاتَتْ أكَلُوهَا وَكَذلِكَ الْمَوْقُوذةُ) ، قال قتادةُ: (كَانَ أهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَضْرِبُونَ الشَّاةَ بالبَعْضِ حَتَّى إذا مَاتَتْ أكَلُوهَا) ، يقالُ منهُ: وَقَدَهُ يَقِدُهُ إذا ضَرَبَهُ حتى أشفاَ على الهلاكِ. قال الفَرَزْدَقُ: شَغَارَةٌ تَقِذُ الْفَصِيلَ برجْلِهَا فَطَّارَةٌ لِقَوَادِم الأَبْكَار