قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ } ؛ أي فلمَّا ترَكُوا ما وُعِظُوا به ، { أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوءِ } ؛ أي خلَّصنا الذين يَنْهَوْنَ عن حبسِ السَّمك في الحظيرةِ يومَ السَّبتِ ، { وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } ؛ أي شديدٍ ، يقالُ بَئِسَ وبَيْسَ وَبَأْسَ إذا اشْتَدَّ ، وبَؤُسَ يَبْؤُسُ بُؤْسًا إذا افْتَقَرَ. وقوله تعالى: { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } ؛ أي بفِسقِهم.
ولَم يُذكَر في الآيةِ حالُ الفرقةِ الثالثة ، وقد رُوي عن ابنِ عبَّاس أنه قال: (كَانَ الْقَوْمُ ثَلاَثَ فِرَقٍ ، فَكَانَتِ الْفِرْقَةُ الْوُسْطَى تَعْمَلُ بالسُّوءِ ، وَالْفِرْقَةُ الْيُمْنَى تَنْهَى وَتُحَذِّرُهُمْ بَأْسَ اللهِ ، وَكَانَتِ الأُخْرَى تَكُفُّ ألْسِنَتَهَا وَتُمْسِكُ أيْدِيَهَا. فَلَمَّا عَمِلَتِ الْوُسْطَى بذلِكَ زَمَانًا ، وَكَثُرَتْ أمْوَالُهُمْ ، وَلَمْ يُنْزَلْ بِهمْ عُقُوبَةٌ ، اسْتَبْشَرُواْ وَقَالُواْ مَا نَرَى السَّبْتَ إلاَّ قَدْ حَلَّ لَنَا وَذَهَبَتْ حُرْمَتُهُ ، وَكَانُوا نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ ألْفًا ، وَكَانَتِ الْفِرْقَةُ النَّاهِيَةُ نَحْوَ اثْنَى عَشََرَ ألْفًا ، يَقُولُونَ لَهُمْ: لاَ تَعْدُوا ، وَلاَ تَأْمَنُوا مِنْ عَذاب اللهِ ، فَلَمْ يَتَّعِظُواْ فأَصْبَحُواْ وَقَدْ مَسَخَهُمُ اللهُ قَرَدَةً خَاسِئِينَ ، فَمَكَثُواْ كَذِلكَ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ عِبْرَةً لِلنَّاظِرِينَ ، ثُمَّ مَاتُواْ) .
قال ابنُ عبَّاس: (( وَأنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ) وَلَيْتَ شِعْرِي مَا صَنَعَ اللهُ بالَّذِينَ لَمْ يَنْهُوا) ، وقال عكرمةُ: (بَلْ أهْلَكَهُمُ اللهُ أيْضًا وَمَا نَجَّا إلاَّ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ ، وَهَلَكَ الْبَاقُونَ بظُلْمِهِمْ بالاسْتِحْلاَلِ وَتَرْكِ الأَمْرِ بالْمَعْرُوفِ) . فقال ابنُ عبَّاس: (نَزَلَ وَاللهِ بالْمُدَاهِنِ مَا نَزَلَ بالْمُسْتَحِلِّ) .
وقال الحسنُ: (نَجَتْ فِرْقَتَانِ ، وَهَلَكَتْ فِرْقَةٌ) وأنكرَ القولَ الذي ذُكر له عن ابنِ عبَّاس ، وقالَ: (مَا هَلَكَتْ إلاَّ فِرْقَةٌ ؛ لأنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أبْلَغَ فِي الأَمْرِ بالْمَعْروفِ وَالْوَعْظِ مِنْ ذِكْرِ الْوَعِيدِ ، وَقَدْ ذكَرَتِ الْفِرْقةُ الثَّالِثَةُ الْوَعِيدَ فَقَالَتْ: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَديدًا) وقول الحسنِ أقربُ إلى ظاهرِ الآية.