فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } ؛ معناهُ: إنَّ الذي نزَّلنا عليك خبرَهم في القرآنِ هم الرسلُ لم يكونوا في الفضْلِ متساوينَ ، ولكن { فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } في الدنيا والعُقبى. ثم فَسَّرَ فضيلةَ كلِّ واحد منهم فقال: { مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ اللَّهُ } وهو مُوسى عليه السلام كَلَّمَهُ اللهُ من غيرِ سفير ، { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ } فوقَ بعضٍ { دَرَجَاتٍ } ؛ أي اتَّخذ اللهُ إبراهيمَ خليلًا ، وسخَّرَ لسليمانَ الريحَ والجنَّ والشياطين وعلَّمه منطقَ الطيرِ. وقال مجاهدُ: (وأرَادَ بهَذِهِ الآيَةِ فَضِيْلَةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم عَلَى جَمِيْعِ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } [الشرح: 4] . وقيل: هو إدريسُ كما قال تعالى: { وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا } [مريم: 57] .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } ؛ أي أعطيناهُ الدلالات على إثبات نبوَّّتهِ من إبراءِ الأَكْمَهِ وَالأَبْرَصِ وإحياءِ الموتى والإنْبَاءِ بما غابَ عنه ، { وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } أي قوَّيناهُ وأعنَّاهُ بجبريل الطاهرِ حين أرادوا قتلَهُ حتى رفعهُ الله إلى السماء. وقال الحسنُ: (الرُّوحُ جِبْرِيْلُ ، وَالْقُدُسُ هُوَ اللهُ تَعَالَى ؛ فَيَصِيْرُ تَقْدِيْرُ الآيَةِ: وَقَوَّيْنَاهُ برُوحِ اللهِ تَعَالَى) . وعنِ ابن عباسٍ أنه قال: (الْقُدُسُ اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ الَّذِي كَانَ بهِ عِيْسَى عليه السلام يُحْيِي الْمَوْتَى) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَـاكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ } ؛ أي لو شاءَ اللهُ لَمْ يَقْتَتِلِ الذينَ مِن بعدِ الرسل مِن بعد ما وَضُحَتْ لَهم الحججُ والدلائل كما قالَ تعالى: { وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى } [الأنعام: 35] . وقيل: معناهُ: ولو شاءَ اللهُ لأنزلَ آيةً تضطرُّهم إلى الإيْمان وتَمنعهم عن الكفر كما قال تعالى: { إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ } [الشعراء: 4] .

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَـاكِنِ اخْتَلَفُواْ } أي شاءَ اختلافَهم فاختلفوا. ويقال: لم يُلْجِئْهُمْ إلىَ الإيْمان ؛ لأنَّ التكليفَ لا يُحسن مع الضرورةِ ، والجزاءُ لا يُحسن إلا مع التَّلْجِئَةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ } أي بالكتب والرسلِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـاكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } ؛ أي ولو شاء الله لم يقتتلوا مع اختلافهم بأن يأمرَ المؤمنينَ بالكَفِّ عن القتالِ ، وبأن يَلْجِئَهُمْ جميعًا إلى تَرْكِ القتالِ ، { وَلَـاكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } مِن تقدير الاتِّفَاقِ والاختلافِ وغيرِ ذلك مِن مَّا تُوجِبُهُ الحكمةُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت