فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } ؛ وفي هذه الآية نَهيٌ عن البُخْلِ. معناهُ: تصدَّقُوا يا أهلَ الميسرةِ ولا تُمسكوا عن الإنفاقِ (فِي سَبيلِ اللهِ) فإن البخلَ ؛ والإمساك عن ذلك هو الهلاكُ. وهذا قولُ حذيفةَ والحسنُ وعكرمة وعطاء والضحاك. قال ابنُ عبَّاس في هذه الآية: (أنْفِقْ فِي سَبيْلِ اللهِ وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ إلاَّ سَهْمٌ وَاحِدٌ ، وَلاَ يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ أنِّي لاَ أجِدُ شَيْئًا) . وقال السديُّ: (أنْفِقْ فِي سَبيلِ اللهِ وَلَوْ عِقَالًا) .

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } معناه: ولا تلقُوا أنفسَكم ، فعبَّر بالبعضِ عن الكلِّ كقولهِ تعالى: { ذلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } [آل عمران: 182] و { فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } [الشورى: 30] . وإنَّما حذفَ ذكر النفسِ هنا لأن في الباءَ دليلًا عليه ؛ والباءُ زائدة كقولهِ تعالى: { تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ } [المؤمنون: 20] . والعربُ لا تقولُ: ألقَى بيدهِ إلاَّ في الشرِّ ، والإلقاءُ في التهلكة معناه: ولا تُمسكوا بأيديكم عن الصدقةِ في الجهاد فتهلَكوا. وقيلَ هو الإسرافُ في الإنفاقِ حتى لا يبقَي له شيئًا يأكلهُ فيتلفُ. وَقِيْلَ: هو أن يخرج بين الصفَّين فيُسْتَقْتَلُ من غيرِ قصدٍ بنكايةِ العدوِّ.

وقيلَ: معنى { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } أي لا يَقُلْ: ليس عندي شيءٌ. وقال الحسنُ: (إنَّهُمْ كَانُواْ يَنْفِرُونَ لِلْغَزْو وَلاَ يُنْفِقُونَ مِنْ أمْوَالِهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) . وقال مقاتلٌ: (لَمَّا أمَرَ اللهُ تَعَالَى بالإنْفَاقِ ؛ قَالَ رَجُلٌ: أُمِرْنَا بالنَّفَقَةِ فِي سَبْيلِ اللهِ ؛ فَإنْ أنْفَقْنَا أمْوَالَنَا بَقِيْنَا فُقَرَاءَ ذَوي مَسْكَنَةٍ ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } يَعْنِي أنْفِقُواْ وَلاَ تَخْشُوا الْفَقْرَ فَإنِّي رَازقُكُمْ وَمُخْلِفٌ عَلَيْكُمْ) .

وعن أبي الدَّرداءَ وأبي هريرة وعبدِالله بن عمر وجابرٍ وأبي أُمامة والحسن بن عليِّ لبن أبي طالب وعمران بن الحصين ؛ كلهم حدَّثوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهُ قال:"مَنْ أرْسَلَ نَفَقَةً فِي سَبيْلِ اللهِ وَأَقَامَ فِي بَيْتِهِ فَلَهُ بكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَمَنْ غَزَا بنَفْسِهِ فَأَنْفَقَ فَلَهُ بكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُمِائَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ. ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } "أيْ { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } [البقرة: 267] .

وقال زيدُ بن أسلمَ: (إنَّ رجَالًا كَانُواْ يَخْرُجُونَ فِي بُعُوثٍ يَبْعَثُهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بغَيِْرِ نَفَقَةٍ ؛ فَإمَّا أنْ يُعْطُوهُمْ ؛ وَإمَّا كَانُوا عِيَالًا وَوَبَالًا. فَأَمَرَهُمُ اللهُ تَعَالَى بالإنْفَاقِ عَلَى أنْفُسِهِمْ فِي سَبيْلِ اللهِ تَعَالَى ، فَإذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ مَا تُنْفِقُ فَلاَ تُخْرِجْ نَفْسَكَ بغَيِْرِ نَفَقَةٍ وَلاَ قُوَّةٍ فَتُلْقِي بيَدِكَ إلَى التَّهْلُكَةِ ، فَتَهْلَكَ مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ أوْ مِنَ الْمَشْيِ) . التَّهْلُكَةُ: مصدرٌ بمعنى الإهلاكِ ؛ وهو تَفْعُلَةٌ مِن الهلاكِ. ولَم يَجِئْ مِن كلامِ العرب مصدرٌ على تفعُلةٍ بضمِّ العينِ إلا هذا. وقال بعضُهم: التهلكةُ: كلُّ شيء عاقبتهُ إلى الهلاكِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت