قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ } ؛ قال أكثر المفسِّرين: القائلُ بهذا هو يَهُودَا ، وكان أعقلَهم وأشدَّهم قوةً ، والمعنى أنه قالَ لهم اطرحوهُ في قعرِ البئر ، { يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ } ؛ على الطريقِ. والغَيَابَةُ: هو الموضعُ الذي غابَ عن بصَرِكَ ، والْجُبُّ: هو البئرُ التي لم يُطْوَ بالحجارةِ.
قَوْلهُ تَعَالَى: { إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } ؛ معناهُ: قال لَهم: إنْ كُنتم لا بدَّ فَاعِلين به أمرًا فَاعْدِلُوا إلى هذا الأمرِ ، وإلاَّ فاتركُوا كلَّ ذلك. والظاهرُ من قولهِ (الْجُب) أنه جُبُّ مُشار إليه معروفٌ ، قال وهب: (هُوَ بأَرْضِ الأُرْدُنِّ عَلَى ثَلاَثَةِ فَرَاسِخَ مِنْ مَنْزِلِ يَعْقوبَ) .
فلمَّا أبْرمُوا هذا التدبيرَ وعَزَمُوا عليهِ تلَطَّفوا بالوصُول إلى مُرادِهم ، وجَاؤُا إلى أبيهم ، فقالوا كما قالَ اللهُ: { قَالُواْ يَاأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ } ؛ أي مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عليه ، فتُرسِلَهُ معنا وإنَّا له لناصحون في الرَّحمةِ والبرِّ. قولهُ: { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } ؛ أي يذهبُ ويجيء وينشطُ ؛ ويقرأ كلاهما بالنُّون والياءِ.
والرَّتْعُ: هو التردُُّدُ يَمينًا وشِمالًا للاتساعِ في الملاذِ. ومن قرأ (يَرْتَعْ) بالياء فهو من يَرْتَعُ ؛ أي يرعَى ما شيتَهُ ، واللَّعِبُ: هو الفعلُ الذي يطلبُ منه التَّفْرِيحُ من غيرِ عاقبةٍ محمودة ، وهو على وَجيهن: مباحٌ ومحظور ، كما قالَ عليه السلام:"كُلُّ لَعِبٍ حَرَامٌ إلاَّ ثَلاَثَةٌ: مُلاَعَبَةُ الرَّجُلِ أهْلُهُ ، وَنَبْلُهُ بقَوْسِهِ ، وَتأَدِيبُهُ فَرَسَهُ" { وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } ؛ عن الأَسْوَاءِ ؛ وعن كلِّ ما يخافُ عليه.