فهرس الكتاب

الصفحة 3542 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } ؛ أي ولقد خلَقنا لبنِي آدمَ ونعلمُ ما يُحدِّثُ به قلبهُ ؛ أي نعلَمُ ما يُخفِي ويُكِنُّ في نفسهِ ، { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ } ؛ بالعلمِ بأحوالهِ وبما في ضَميرهِ ، { مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } ؛ وهو عِرْقٌ في باطنِ العُنقِ بين العَليا والْحُلقُومِ ، وهما وَريدان عن يَمين ثغرَةِ النَّحرِ ويسارها ، يتَّصِلان من نَاحِيَتي الحلقِ والعاتقِ ، ينصَبَّان أبدًا من الإنسانِ. وقال الحسنُ: (الْوَريدُ: الْوَتِينُ ؛ وَهُوَ عِرْقٌ مُعَلَّقٌ بهِ الْقَلْبُ ، وَاللهُ تَعَالَى أقْرَبُ إلَى الْمَرْءِ مِنْ قَلْبهِ) .

ومعنى الآيةِ: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ } أي أعلَمُ به وأقدَرُ عليه مِن بعضهِ ، وإنْ كان بعضهُ له حجابٌ فلا يحجِبُنا شيءٌ ؛ أي لا يحجبُ عِلمُنا عنه شيءٌ.

ثم ذكرَ أنه مع علمهِ وَكَّلَ به مَلَكين يكتُبان ويحفَظان عليه عملهُ إلزامًا للحجَّة ، فقالَ: { إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } ؛ قال مقاتلُ: (هُمَا مَلَكَانِ يَتَلَقَّيَانِ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ وَمَنْطِقِهِ) أي يَأخُذان ذلك ويُثبتانه في صحائِفهما ، أحدُهما عن يمينِ يكتبُ الحسَنات ، والثاني عن شِمالٍ يكتبُ السيِّئات ، فذلك قولهُ { وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } ولم يقل قَعِيدَان ؛ لأنه أرادَ عن اليمينِ قعيدٌ وعن الشمالِ قعيدٌ ، فاكتفَى من أحدِهما عن الأُخرى ، كقولِ الشَّاعر: نَحْنُ بمَا عِندَنَا وَأنْتَ بمَا عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُأي نحنُ بما عندَنا رَاضُون. والقعيدُ مثل قاعدٍ كالسَّميع والعليمِ والقدير ، وقال أهلُ الكوفةِ: أرَادَ قُعُودًا.

رُوي:"أنَّ اللهَ تَعَالَى وَكَّلَ بالإنْسَانِ مَلَكَيْنِ باللَّيلِ ، وَمَلَكَيْنِ بالنَّهَار يَحْفَظَانِ عَمَلَهُ ، أحَدُهُمَا يَكْتُبُ الْحَسَنَاتِ ، وَالثَّانِي يَكْتُبُ السَّيِّئَاتِ ، فَإذا تَكَلَّمَ الْعَبْدُ بحَسَنَةٍ كَتَبَهَا الَّذِي عَلَى الْيَمِينِ عَشْرًا ، وَإذا تَكَلَّمَ بسَيِّئَةٍ قَالَ صَاحِبُ الْيَمِينِ لِلآخَرِ: أنْظِرْهُ ، فَنَظَرَهُ سِتَّ سَاعَاتٍ أوْ سَبْعَ سَاعَاتٍ ، فَإنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ لَمْ يَكْتُبْهَا ، وَإنْ لَمْ يَتُبْ كَتَبَ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً"هكذا قال صلى الله عليه وسلم.

وعن أنسٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"وَكَّلَ بعَبْدِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ عَلَيْهِ ، فَإذا مَاتَ الْعَبْدُ قَالاَ: يَا رَب قَدْ قَبَضْتَ عَبْدَكَ ؛ أفَتَأْذنُ لَنَا أنْ نَصْعَدَ إلَى السَّمَاءِ ؟ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: سَمَائِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ مَلاَئِكَتِي يُسَبحُونَ ، فَيَقُولاَنِ: أنُقِيمُ فِي أرْضِكَ ؟ فَيَقُولُ: إنَّ أرْضِي مَمْلُوءَةٌ مِنْ خَلْقِي يَعْبُدُونَنِي ، فَيَقُولاَنِ: أيْنَ نَذْهَبُ ؟ فَيَقُولُ: قُومَا عَلَى قَبْرِ عَبْدِي وَهَلِّلاَنِي وَكَبرَانِي وَاكْتُبَا ذلِكَ لِعَبْدِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَعِيدٌ } أي رَصِيدٌ حافظٌ حاضر ملازمٌ لا يبرحُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } ؛ أي حافظٌ حاضر { عَتِيدٌ } أي مُعْتَدٌّ لَهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت