قَوْلُهُ تَعَالَى: { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } ؛ أي قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: إنَّ صلاتِي بعدَ الصَّلواتِ الخمسِ المفروضة ، { وَنُسُكِي } أي طَاعَتِي ، وأصلُ النُّسُكِ: كُلُّ مَا يُتَقَرَّبُ بهِ إلَى اللهِ تَعَالَى ، ومنه قولُهم لِلْعَابدِ: نَاسِكٌ. وقال ابنُ جبير: (مَعْنَاهُ: { وَنُسُكِي } فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ للهِ رَب الْعَالِميْنَ) . ويقالُ: أراد بالصلاةِ صلاةَ العِيْدِ ، وبالنُّسْكِ الأضْحِيَةَ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي } أي وَحَيَاتِي ومَوتِي للهِ رب الخلائقِ كلِّهم. وإنَّما أضافَ الْمَحْيَا والْمَمَاتَ إلى الله وإن لم يكن ذلكَ مِمَّا يُتقَرَّبُ به إليهِ ؛ لأن الغرضَ بالآية التَّبَرُّئَ إلى اللهِ تعالى من كلِّ حَوْلٍ وقُوَّةٍ والإقرارَ له بالعبوديَّة. وَقِيْلَ: المرادُ بذلك أنَّ الله تعالى هو الْمُخْتَصُّ بأن يُحْييهِ ويُميتَهُ ؛ لا شريكَ له في ذلك.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذالِكَ أُمِرْتُ } ؛ أي أمَرَنِي بذلك ، { وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } ؛ أي أوَّلُ مَنِ استقامَ على الإيْمان من أهلِ هذا الزمان. قرأ أهلُ المدينة: (وَمَحْيَايْ) بسكون الياء. وقرأ الباقون بفتحِها كَيْلًا يجتمعَ سَاكِنَانِ. وقرأ السلميُّ: (وَنُسْكِي) بإسكانِ السِّين.
وعن أنس رضي الله عنه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ؛"أنَّهُ قَرَّبَ كَبْشًا أمْلَحَ أقْرَنَ ؛ فَقَالَ:"لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَاللهُ أكْبَرُ ؛ إنَّ صَلاَتِي وَنُسْكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي للهِ رَب الْعَالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَهُ"الآيةُ ، ثمَّ ذَبَحَ فَقَالَ:"شَعْرُهُ وَصُوفُهُ فِدَاءٌ لِشَعْرِي مِنَ النَّار ، وَجِلْدُهُ فِدَاءٌ لِِجِلْدِي مِنَ النَّارِ ، وَعُرُوقُهُ فِدَاءٌ لِعُرُوقِي مِنَ النَّار"فَقَالُواْ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ هَنِيْئًا مَرِيْئًا ؛ هَذا لَكَ خَاصَّةً ؟ فَقَالَ:"لاَ ؛ بَلْ لأُمَّتِي عَامَّةً إلَى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ ، أخْبَرَنِي بذلِكَ جِبْرِيلُ عليه السلام عَنْ رَبِي عَزَّ وَجَلَّ"".