فهرس الكتاب

الصفحة 1709 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ } ؛ أي يَفْنَى ولا يبقَى ، { وَمَا عِندَ اللَّهِ } ؛ من الثواب في الآخرةِ على الوفاء ، { بَاقٍ } ، هو خيرٌ لكم مما عندَكم يدومُ ويبقى. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ } ؛ قرأ ابنُ كثيرٍ وعاصم بالنُّون ، وقرأ الباقون بالياءِ ، ومعناهُ: الذين صَبَروا على الوفاءِ وعلى الطاعةِ ، { أَجْرَهُمْ } ؛ بالطاعاتِ ، { بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ؛ دون إسرَارِها ، ويعفُو عن سيِّئاتِها.

قال ابنُ عبَّاس:"(وَذلِكَ أنَّ رَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ يُقَالُ لَهُ عِيدَانُ بْنُ الأَشْوَعِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ الْكِنْدِيَّ جَاوَرَنِي فِي أرْضِي فَاقْتَطَعَهَا ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"لِيَشْهَدْ لَكَ أحْدٌ"قَالَ: إنَّ الْقَوْمَ كُلَّهُمْ يَعْلَمُونَ أنِّي صَادِقٌ ، وَلَكِنَّهُ أكْرَمُ عَلَيْهِمْ مِنِّي ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِلأَشْعَثِ:"مَا يَقُولُ صَاحِبُكَ ؟"قَالَ: الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ:"أتَحْلِفُ ؟"قَالَ: نَعَمْ ، فَهَمَّ بالْحَلْفِ."

فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ: { وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا... } [النحل: 95] إلَى آخِرِ الآيَتَيْنِ. فَقَرَأهُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الأَشْعَثِ فَقَالَ: أمَّا مَا عِنْدِي فَيَنْفَذُ ، وَأمَّا مَا بصَاحِبي فَيُجْزَى بأَحْسَنَ مَا كَانَ يَعْمَلُ ، اللَّهُمَّ إنَّهُ صَادِقٌ فِي مَا قَالَ ، لَقَدِ اقْتَطَعْتُ أرْضَهُ ، وَاللهِ مَا أدْري كَمْ هِيَ ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ مَا شَاءَ مِنْ أرْضِي وَمِثْلَهَا مَعَهَا بمَا أكَلْتُ مِنْ ثَمَرِهَا". فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ بَعْدَ ذلِكَ فِي الأَشْعَثِ:"

قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ } ؛ أي مَن عَمِلَ صَالحًا فيما بينه وبين ربهِ وأقرَّ بالحقِّ وهو مع ذلك مؤمنٌ { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ، قِيْلَ: المرادُ بها القَنَاعَةُ بما يُؤتَى من الرِّزق الحلالِ ، كما رُوي عن وهب بن مُنبه أنه قالَ: (الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ هِيَ الْقَنَاعَةُ بمَا رُزقَ) .

وَقِيْلَ: هي أنْ يكون صدرهُ مُنفَرِجًا بما يعتقدهُ من دلائلِ الله تعالى ، وبما يعرفهُ من وجوب مفارقةِ المعاصي ، فيصيرُ قليلَ الْهَمِّ في أمورِ دنياهُ. وَقِيْلَ: الحياة الطيِّبة الجنةُ ؛ لأنه لم يَطِبْ لأحدٍ حياةً إلاّ فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت