فهرس الكتاب

الصفحة 3095 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ } ؛ اختلَفُوا في سبب فتنةِ سُليمان ، قال بعضُهم: سمعَ سليمانُ بمدينةٍ في جزيرةٍ من جزائرِ البحر يقالُ لها صَدُوقُ ، بها مَلِكٌ عظيمُ الشَّأنِ ، فخرجَ سليمانُ إلى تلك المدينةِ تحملهُ الرِّيح حتى نزلَ بها بجنودهِ من الجنِّ والانسِ ، فقَتَلَ ملِكَها وسَبَا ما فيها ، وأصابَ فيما أصابَ بنتًا لذلك الملكِ يقالُ"لها"جَرَادَةٌ ، لَمْ يُرَ مثلها حُسنًا وجمالًا.

فدعَاها سليمانُ إلى الاسلامِ فأسلَمَت على قلَّة نيَّة منها ، ولم يعلَمْ سليمانُ ما في قلبها ، فتزوَّجَها وأحبَّها محبةً شديدة لم يُحِبَّ أحدًا من نسائهِ ، فكانت عندَهُ لا يذهبُ حزنُها ولا يرقَى دمعُها ، فشُقَّ ذلك على سليمان ، وقال لَها: ويحَكِ! ما هذا الحزنُ الذي لا يذهبُ ؟ قالت: إنِّي أذكرُ أبي أذكرُ مُلكَهُ وما كان فيه وما أصابَهُ ، فيُحزِنُني ذلك. قال سليمانُ: قد أبدَلَكِ اللهُ به مَلِكًا هو أعظمُ من مُلكه ، وسُلطانًا خَيرًا من سُلطانهِ ، وهَداكِ للإسلامِ ، وهو خيرٌ مِن ذلك كلِّه. قالت: هو كذلكَ ؛ ولكن إذا ذكرتُ أبي أصابَني ما ترَى من الحزن ، فلو أمرتَ الشَّياطين فصوَّرُوا صورتَهُ في داري التي أنَا فيها آرَاها بُكرةً وعشِيًّا لرجوتُ أنْ يُذْهِبَ ذلك حُزني ، ويسَلِّي عني بعضَ ما أجدُ. فأمرَ سُليمان الجنَّ فمَثَّلوا لها صورةَ أبيها في دارها كأنَّه هو ، إلاَّ أنه لا روحَ فيه ، فعمَدَت إليه حين صَنَعُوهُ فآزَرَتْهُ وقمَّصَتْهُ وعَمَّمَتْهُ وردَته بمثل ثيابهِ التي كان يلبسُها.

وكان إذا خرجَ سُليمان من دارها تغدُو عليه في ولائدِها حتى تسجدَ له ويسجُدنَ هُنَّ له ، وكذلكَ كانت تعملُ بالعَشِيِّ وسليمانُ عليه السلام لا يعلمُ شيئًا من ذلك ، فكانت على ذلك أربعينَ صباحًا ، وبلغَ ذلك آصِفَ بن برخيا وكان صدِّيقًا ، فقال لسُليمان عليه السلام: إنَّ غيرَ اللهِ يُعبد في دارك منذُ أربعين صَباحًا في هوَى امرأةٍ ، قال: فِي داري؟! قال: في داركَ ، قال: إنَّا للهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ.

ثم رجعَ سُليمان إلى دارهِ فكَسَرَ ذلك الصنمَ وعاقَبَ تلك المرأةِ وولائدَها ، ثم خرجَ إلى فَلاَةٍ من الأرضِ وحدَهُ ، فأمَرَ برمادٍ ثد رُشَّ ، ثم أقبلَ تائبًا إلى اللهِ حتى جلسَ على ذلك الرمادِ وتَمَعَّكَ فيه بثيابهِ تذلُّلًا لله عَزَّ وَجَلَّ وتضرُّعًا إليه ، يدعُو ويبكي ويستغفرُ مما كان في دارهِ ، فلم يزل يومَهُ كذلك حتى أمسَى ثم رجعَ.

وكانت أُمُّ ولَدٍ يقالُ لها الأَمِينَةُ ، كان إذا دخلَ لقضاءِ حاجته وضعَ خََاتَمَهُ عندَها حتى يتطهَّرَ ، وكان لا يَمَسُّ خاتَمهُ وإلاَّ وهو طاهرٌ ، وكان مُلكه في خاتَمهِ ، فوضعَ يومًا من الأيامِ خاتَمه عندها كما كان يضعهُ ، ثم دخلَ موضعَ الحاجةِ فأتاها الشيطانُ صاحبُ البحرِ وكان اسمهُ صَخْرًا على صورةِ سُليمان لا تُنكِرُ منه شيئًا ، فقال: يا أمِينَةُ هاتِ خاتَمي ، فناولَتْهُ إياهُ ، فجعلَهُ في يدهِ ثم خرجَ حتى جلسَ على سريرِ سُليمان ، وعكفَتْ عليه الطيرُ والجن والإنسُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت