قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ } ؛ الآيةُ ؛ أي قالتِ اليهودُ حين قرأ عليهم عزيرٌ التوراةَ عن ظهرِ قلبٍ: إن اللهَ لم يجعلِ التوراةَ في قلب أحدٍ إلا وهو ابنهُ! وعن ابنِ عبَّاس رضي الله عنه: (أنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمُ النُّعْمَانُ بْنُ أوْفَى ، وَشَاسُ بْنُ قَيْسٍ ، وَمَالِكُ بْنُ صَيْفٍ أتَوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا لَهُ: كَيْفَ نَتَّبعُكَ وَقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنَا ، وَلاَ تَزْعُمُ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللهِ تَعَالَى! فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .
وقرأ عاصمُ والكسائي ويعقوب (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ) بالتنوينِ ، وقرأ الباقون بغيرِ التنوين ، فمَن نَوَّنَ قال: لأنه اسمٌ خفيف فوجههُ أن يصرفَ وإنْ كان إعجمّيًا مثل نوحٍ وهود ولوطٍ ، وقال أبو حاتم والمبرد: اختيار التنوينِ لأنه ليس بصفةٍ والكلامُ ناقصٌ ، و (ابْنُ) في موضعِ الخبر وليس بنَعتٍ ، وإنما يحذفُ التنوين في النَّعتِ. ومَن تركَ التنوينَ قال لأنه اسمٌ أعجمي. قال الزجَّاج: (يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ مَعْبُودٌ ، عَلَى أنْ يَكُونَ(ابْنُ) نَعْتًا للْعُزَيْرِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ } ؛ هذا قولُ نصارى نَجْرَان ، وقولُه تعالى: { ذلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ } ؛ معناهُ: أنَّهم لا يتجاوَزون في القولِ عن العبادةِ ؛ أي المعنى إذ لا بُرْهانَ لأنَّهم يعتَرِفون أنَّ اللهَ لا يتخذُ صاحبةً ، فكيف تزعُمون أنَّ له ولدًا. قَوْلُهُ تَعَالَى: { يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } ؛ أي يُشَابِهُونَ في قولِ ذلك قولَ أهلِ مكَّة حين قالَ: اللاَّتُ والعُزَّى ومناةُ. وَقِيْلَ: أرادَ يُشَابهُونَ قولَ الكفَّار الذين يقولون الملائكةُ بناتُ اللهِ.
قرأ عاصم (يُضَاهِئُونَ) بالهمزِ ، وقرأ العامَّة بغيرِ همزٍ ، يقال: ضَاهَيْتُهُ وَضَاهَأْتُهُ بمعنى واحدٍ ، وقال قتادةُ السدي: (ضَاهَتِ النَّصَارَى قَوْلَ الْيَهُودِ مِنْ قَبْلُ ، فَقَالَتِ النَّصَارَى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ، كَمَا قَالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { يُضَاهِئُونَ } أي يُشَابهُونَ ، يقالُ: امرأةٌ أُضْهِيَأ إذا شابَهت الرجُلَ في أنَّها لا ثديَ لها ولا تحيضُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَاتَلَهُمُ اللَّهُ } ؛ أي لَعَنَهُمُ اللهُ ، كذا ابنُ عبَّاس ، وقال ابنُ جُرَيجٍ: (مَعْنَاهُ قَتَلَهُمُ اللهُ) ، { أَنَّى يُؤْفَكُونَ } ؛ أي أنَّى يَكْذِبُونَ ويَصْدِفونَ عن الحقِّ بعد قيام الدلالةِ عليه.