قَوْلُهُ تَعَالَى: { ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ } ؛ أي وَصَفَ لكم أيُّها المشركونَ مَثَلًا مِن أنفُسِكم ، وبيَّن لكم ذلك الْمَثَلَ من أنفسِكم ، ثُم بَيَّنَهُ فقالَ { هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ } ، أي هل لَكم من عبيدِكم وإمائكم مِن شركاءٍ فيما رزقنَاكم من الأموالِ ؛ أي هل يُشاركونَكم في أموالِكم فتكونوا أنتم مع عبيدِكم سواءٌ فيما أعطينَاكُم ، { فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } ، أي تخافُونَ عبيدَكم أنْ يُقاسِموكم في مالِكم كما تخافونَ نساءكم وأقاربكم أن يورثوكم بعدَكم ، أو تخافُوا لائمةَ عبيدِكم إذا لَم تعطُوهم حقَّهم ، كما تخافون لاَئِمَةَ بعضِكم بعضًا من الأقارب والشُّركاء إذا لَم يؤدُّوا حقَّهم إليهم.
قالوا: لاَ! فقال: أفَتَرْضَوْنَ للهِ تعالى ما لا ترضَونَ لأنفُسِكم ، تُشرِكون عبيدَ الله في مُلكهِ ، وقد خلَقَهم ، ولا تشركون عبيدَكم فيما رزَقَكم اللهُ وأنتم لَم تخلِقُوهم ، وتجعلونَ الْخَوْفَ من عبيدِ الله كالخوفِ من الله إذ تعبدُونَهم كعبادةِ الله تعالى ، { كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } ؛ أي هكذا يبيِّنُ الآياتِ واحدةً بعد واحدةٍ ليكون ذلك أقربَ إلى الفهمِ وواقع في القلب.
ومعنى { أَنفُسَكُمْ } ها هنا: أمثَالَكُمْ من الأحرار ، كقوله { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } [الحجرات: 11] . ومعنى الآيةِ: كيفَ رضِيتم أن تكون آلِهتُكم التي تعبدونَها لِي شركاءَ وأنتُم عبيدي وأنا مَالِكُهم جميعًا ، فكما لا يجوزُ استواءُ المملوكِ مع سيِّده ، كذلك لا يجوزُ استواءُ المخلوق مع خالقهِ.