قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (وَذلِكَ أنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يُعَيِّرُونَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بتَزَوُّجِ النِّسَاءِ حَتَّى قَالُواْ: لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ نَبيَّنَا لَشَغَلَتْهُ النُّبُوَّةُ عَنْ تَزْويجِ النِّسَاءِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) . والمعنى: ولقد أرسَلنا رسُلًا من قبلِكَ ، وجعلنا لهم نِسَاءً أكثرَ من نسائِكَ ، وأولادًا أكثرَ من أولادك ، كان لداودَ عليه السلام مائة امرأةٍ ، ولسُليمان ثلاثمائة امرأةٍ مهرية وستُّمائة سريَّة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ } ؛ أي هل يملِكُ أحدٌ من الرُّسل أن يأتي بآيةٍ إلا بإذنِ الله ، سبحانهُ هو المالكُ للآياتِ لا يقدرُ أن يأتي أحدٌ شيئًا منها إلا بإذنهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } ؛ أي لكلِّ مدَّةٍ من آجَال العباد في الحياةِ والفَناءِ كتابٌ قد كتبَ اللهُ ذلك للملائكةِ ؛ يدُلَّهم به على علمهِ بالأَشياء. قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ } ؛ قال ابنُ عباس: (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ مَا كَتَبُوهُ مِنْ أعْمَالِ الْعِبَادِ مَا لاَ جَرَاءَ لَهُ ، وَيَتْرُكُ مَا لَهُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ) . وقال الضحَّاكُ: (يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْقُرْآنِ فَيَنْسَخُهُ ، وَيُثْبتُ مَا يَشَاءُ فَلاَ يَنْسَخُهُ) ، وعن الحسنِ: (يَمْحُو أجَلَ مَنْ حَانَ أجَلُهُ ، وَيَدَعُ أجَلَ مَنْ لَمْ يَحِنْ أجَلُهُ مَيِّتًا) . وَقِيْلَ: يَمحُو الله ما يشاءُ من الطاعاتِ بإحباطِها بالمعاصي ، ومن المعاصِي بتكفيرها بالطاعاتِ.
وقدِ اختلَفُوا: هل يدخلُ في الْمَحوِ والإثباتِ السعادةُ والشقاوة ، والموتُ الحياة أم لا ؟ قال ابنُ عبَّاس: (لاَ يَدْخُلُ) ، وقال عمرِو بن مسعود: (تَدْخُلُ فِيْهِ السَّعَادَةُ وَالشَّقَاوَةُ) ، وكان من دُعاء عمرَ: (اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا سُعَدَاءَ فَأَثْبتْنَا ، وَإنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا أشْقِيَاءَ فَامْحُنَا وَاكْتُبْنَا سُعَدَاءَ ، فَإنَّكَ تَمْحُو وَتُثْبتُ مَا تَشَاءُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الْكِتَاب)
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } ؛ أي أصلُ الكتاب ، قِيْلَ: إنه اللوحُ المحفوظ كَتَبَ اللهُ فيه كلَّ شيء قبلَ أن يخلُقَ العبادَ ، ولا يُزَادُ فيه شيءٌ ولا ينقص منه شيء.