فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } ؛ معناهُ: قال زكريَّا لجبريلَ حين سَمع البشارة يا سيِّدي كيفَ يكونُ لي غلامٌ وقد أدركَنِي الْهَرَمُ وامرأتِي ذاتُ عقْرٍ لا تلدُ ، قَالَ له جبريلُ مثلَ ذلك (يفعلُ اللهُ مَا يَشاءُ) ؛ أي الذي شَاءَهُ. وقال بعضُهم: أرَادَ زكريَّا بالرب اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ؛ أي قَالَ يا رب كيفَ يكونُ لي غلامٌ.

قال الكلبيُّ: (كَانَ زَكَرِيَّا يَوْمَ بُشِّرَ بالْوَلَدِ ابْنَ تِسْعِيْنَ سَنَةً) . وقيلَ: ابنَ تسعٍ وتسعينَ سنةً. وروى الضحَّاك عنِ ابن عبَّاس: (أنَّهُ كَانَ ابْنَ مِائَةٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَةً) . وكانتِ امرأتُه بنتَ ثَمانِي وتسعينَ سنةً ، فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى حاكيًا عنه: { وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ } أي عقيمٌ لا تَلِدُ.

يقال: رجلٌ عَاقِرٌ وامرأةٌ عَاقِرٌ ، وقد عَقُرَ بضَمِّ القافِ يَعْقُرُ عُقْرًا ، ويقالُ: تكلَّمَ فلانٌ حتى عُقِرَ بكسرِ القافِ ؛ إذا بَقِيَ لا يقدرُ على الكلامِ ، وإنَّما حذفَ (الهاءَ) من عَاقِرٍ لاختصاصِ الآياتِ بهذه الصِّفة كما يُقالُ امرأةٌ مُرْضِعٌ.

وقَوْلُهُ تَعَالَى حاكيًا عن زكريَّا: { وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ } هذا المقلوبُ ؛ أي وقد بَلَغْتُ الْكِبَرَ وَشِخْتُ ، فإن قيلَ: هل يجوزُ أن يقولَ الإنسانُ بَلَغَنَا الْبَلَدُ كما يقولُ بَلَغْتُ الْبَلَدَ ؟ قيلَ: لا يجوزُ ذلك بخلافِ قولهِ: { بَلَغَنِي الْكِبَرُ } بمعنى بلغتُ الكبرَ ، والفرقُ بينهما أنَّ الكِبَرَ طالبٌ للإنسانِ لإتيانه عليه بحدوثهِ فيه ، والإنسانُ كالطالب للكِبَرِ لبلوغهِ إيَّاه بمرور السنينِ والأعوامِ عليه ، وأمَّا البلدُ فلا يكونُ طالبًا للإنسانِ ، كما يكونُ الإنسانُ طالبا للبلد.

فإن قِيْلَ: كيفَ قال زكريَّا { أَنَّى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ } فاستبعدَ أن يعطيَه اللهُ ولدًا على كِبَرِ السِّنِّ من امرأةٍ عاقرٍ بعدمَا بشَّرتْهُ الملائكةُ بذلك ؟ قيل: لَم يكن هذا القولُ منه على جهةِ الاستبعاد ولكنْ من شأنِ من بُشِّرَ بما يتمنَّاهُ أن يحملَه فَرْطُ سُرُورهِ به على الزيادةِ في الاستكشافِ والاستثبَات ، كما يقولُ الإنسانُ إذا رأى شيئًا مِن الأمور العظيمة: كيفَ كان هذا؟! على جهةِ الاستعظامِ لقدرةِ الله تعالى لا لِشَكٍّ في القدرة.

وقيل: معناه: على أيِّ حال يكون الولدُ أيَرُدُّنِي اللهُ وامرأتِي إلى حالِ الشَّباب ، أم على هذهِ الحالةِ؟! وقيلَ: معناهُ: أيَرْزُقُنِي اللهُ الولدَ من امرأتِي هذهِ أو من امرأةٍ غيرها شابَّة ؟ فقيلَ لهُ { كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } ؛ أي كإثْمار السَّعفة اليابسةِ ؛ يفعلُ الله ما يشاءُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت